الإصلاح القانوني، قبل ترميم المكاتب وجلب الأثاثات

  • بتاريخ : 29 يوليو، 2026 - 7:36 م
  • الزيارات : 11
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    كثير من المؤشرات، تعكس نهاية قريبة للحرب الدائرة في السودان، وفقًا لأي سيناريو من السيناريوهات التي أشرنا إليها في العديد من المقالات، لتأتي بعد ذلك مرحلة إعادة بناء السودان بعد سنوات الخراب والدمار..
    لكن السؤال المهم : ما الذي يجب أن نبدأ بإعماره: النفوس التي لحقها الإحباط والدمار كما لحق المباني، أم البنيات التحتية ومرافق الخدمات، والمؤسسات الحكومية؟ أم إعادة ترميم المؤسسات السياسية وجعلها قادرة على التنافس ؟ أم تعزيز قدرات الإقتصاد السوداني ومعالجة التشوهات التي لحقت به؟ لأي شيء يجب ان تكون الأولوية؟؟؟..
    (2)
    في رأي يجب أن تكون البداية بالإصلاح القانوني، بإعتبا أنه الأساس المتين الذي يجب ان تقوم عليه دولة المسسات وسيادة القانون، (دولة ما بعد الحرب ) ، وذلك لضمان بسط العدل أولا، ومنع الفوضي، ومعالجة الإختلالات وكبح جماح الصراعات القاتلة…وفي رأي أن الوضع الفوضوي الحالي، وحالة السيولةوالاسترخاء الأمني، وغياب هيبة الدولة، وسيادة القانون ، لايصلح معه أي عمل لبناء دولة قوية.. فالقانون هو الإطار الذي تنتظم وتنضبط بداخله جميع مؤسسات الدولة وتستمد منه قوتها، وإذا اختل هذا الإطار أصبحت كل محاولات الإصلاح الأخرى معرضة للفشل والفوضى والإستهتار والفساد.
    (3)
    مؤسسات الدولة بوضعها الحالي وهي تعاني من الترهل والفوضى وعدم الإنضباط، وغياب التحصين من الفساد، مع غياب المحاسبة والردع القانوني، لن تكون قادرة حتى على فرز العطاءات بنزاهة، ولن تكون قادرة على وضع معايير صارمة ومنضبطة للتنافس حول مشاريع الإعمار، وممارسة الرقابة الحاسمة..
    (4)
    أن كثيرًا من أزمات السودان لم تكن نتيجة نقص في الموارد أو ضعف في الإمكانات، بل بسبب غياب سيادة القانون، وتفاوت تطبيقه على المواطنين، وتحويله في بعض الأحيان إلى أداة لخدمة المصالح السياسية أو الشخصية بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة.
    أن الدولة التي لا يخضع فيها الجميع للقانون على قدم المساواة تفقد هيبتها تدريجيًا. فعندما يشعر المواطن أن بعض الأشخاص أو المؤسسات فوق القانون، تتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ويصبح الالتزام بالقوانين مسألة اختيارية لا واجبًا عامًا.
    (5)
    أن الفوضى والفساد والتشوهات والإختلالات لا تنشأ من فراغ، وإنما تنمو وتكبر وتتمدد عندما تجد بيئة خصبة في ظل ضعف الرقابة، وغياب المحاسبة، وانتقائية تطبيق القانون..فكلما ضعفت المؤسسات العدلية توسعت دائرة التجاوزات، وأصبحت الوظائف العامة وسيلة لتحقيق المنافع الخاصة بدلاً من خدمة المواطنين.
    (6)
    وهناك ارتباك وثيق بين الإصلاح القانوني والإصلاح الاقتصادي، السياسي والأمني، فإذا حدث الإصلاح القانوني تتابعت كل الإصلاحات الأخرى فالاقتصاد لا يمكن أن يتعافى في بيئة يغيب عنها العدل والشفافية، وكذا السياسة والأمن. فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث قبل أي شيء عن قضاء مستقل، وقوانين مستقرة، وإدارة عادلة للعقود والحقوق، لأن الأمن القانوني يمثل أساس أي نشاط اقتصادي ناجح.
    وأن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن تبدأ من القضاء العادل، وسرعة الفصل في المنازعات، وضمان حقوق الأفراد، ومنع التدخلات السياسية في أجهزة العدالة.
    (7)
    إن المواطن لا يقيس قوة الدولة بكثرة شعاراتها، وإنما بقدرته على الحصول على حقه عبر القانون.
    أن الإصلاح القانوني لا يقتصر على تعديل النصوص والتشريعات، بل يشمل إصلاح المؤسسات التي تطبق تلك القوانين، وتأهيل الكوادر العدلية، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة، وتطوير أجهزة إنفاذ القانون حتى تؤدي واجبها بمهنية وحياد، وغياب ذلك سيؤدي الى الاستهتار بالقوانين، فكثرة القوانين وحدها لا تحقق العدالة، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في حسن التطبيق بمهنية ، فقد تمتلك الدولة منظومة تشريعية جيدة، لكن ضعف التنفيذ أو ازدواجية المعايير يفقدها قيمتها العملية.
    ولا شك أن للعدالة أثر في تحقيق السلم الاجتماعي، وأن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى عدالة تنصف المظلوم، وتحاسب المعتدي، وتحفظ الحقوق، حتى لا تتحول المظالم إلى أسباب لصراعات جديدة. لذلك فإن السلام الحقيقي لا يقوم على الاتفاقات السياسية وحدها، بل يقوم على شعور المواطنين بأن حقوقهم مصونة بالقانون.
    (8)
    أن الدولة الحديثة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالقرارات الإدارية فقط، وإنما ببناء منظومة قانونية عادلة تكون المرجعية العليا للجميع دون تمييز. وعندما يصبح القانون هو الحكم بين الحاكم والمحكوم، وبين الدولة والمواطن، يمكن عندها الحديث عن تنمية مستقرة،ومؤسسات قوية، ووطن يستعيد عافيته.
    أعود واقول أن الإصلاح القانوني ليس مشروعًا يخص رجال القانون وحدهم، بل هو مشروع وطني شامل، لأنه الضامن لاستقرار الدولة، وحماية الحقوق، وترسيخ العدالة، ومكافحة الفساد، وتهيئة البيئة المناسبة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا ندعو إلى أن يكون الإصلاح القانوني هو الخطوة الأولى في أي مشروع جاد لبناء السودان بعد الحرب، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه بقية الإصلاحات…اللهم هذا قسمي فيما أملك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.