إنتصارات الجيش الأخيرة..الدلالات العسكرية والسياسية، ومستقبل الدعم السريع

  • بتاريخ : 27 يوليو، 2026 - 3:32 م
  • الزيارات : 6
  • تحليل/ أحمد يوسف التاي

    (1)
    بقراءة متأنية وموضوعية، للمشهد العملياتي والأوضاع العسكرية على الأرض، وفقًا للمعطيات الراهنة، يستطيع المراقب لمجريات الأحداث، القول بأن الإنتصارات الأخيرة التي حققها الجيش السوداني في محور كردفان، تشكل تحولاً مهماً في المشهد، ومنصة إنطلاق جديدة للجيش السوداني، يستطيع من خلالها الإنطلاق بارتياح لبسط هيمنته على المناطق خارج نطاق سيطرته. كما ان الانتصارات نفسها مكنته – أي الجيش- من التحول من قوات مدافعه ، ومتصدية لهجمات متقطعة بالمسيرات إلى قوات مهاجمة تخطط وتسعى لتحرير المناطق المحتلة، من قبضة قوات الدعم السريع وفقا لخطط مدروسة.
    (2)
    ثمة ملاحظة أخرى في غاية الأهمية وهي أنه وخلال 48 ساعة فقط حققت القوات المسلحة السودانية انتصارات جمعت بين تحرير مناطق استراتيجية، واستعادة محور لوجستي رئيسي، وتحسين خطوط الإمداد.. ومع ذلك، فإن التقييم النهائي لهذه الانتصارات يعتمد على قدرة الجيش على تثبيت سيطرته على المناطق المستعادة، وتأمين طريق الصادرات، ومنع أي هجمات مضادة.
    (3)
    وتشير التطورات العسكرية الأخيرة في شمال كردفان إلى أن الجيش السوداني والقوات المشتركة تمكنا من استعادة خمس مناطق استراتيجية، أبرزها بارا، جبرة الشيخ، أم سيالة، أم قرفة، والبركة، مع إعادة فتح وتأمين أجزاء رئيسية من طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض.
    ويرى أكثر من مراقب سياسي أن هذه السيطرة على هذه المناطق، إذا استمرت فإنها تمثل أحد أهم التحولات الميدانية في جبهة كردفان منذ أشهر.
    (4)
    ثمة دلالات مهمة للغاية لهذه الانتصارات التي تزامنت مع تراجع واضح لقوات الدعم السريع ، وانشقاقات وتسليم عناصر كثيرة منها للجيش، كل ذلك ينطوي على دلالات، لابد من التوقف عندها:

    أولاً: الدلالات العسكرية للانتصارات:

    بهذه الانتصارات المتوالية في وقت بدت فيه قوات الدعم السريع في تراجع وانهيار استعاد الجيش السوداني زمام المبادرة إذ لم يعد في خط الدفاع، بل تحول بخطى متسارعة إلى خط الهجوم، ونفذ هجمات متتالية بريا وجويا استهدفت أماكن تمركز قوات الدعم السريع، وهو ما يدل على تحسن في التخطيط والتنسيق والقدرة على تنفيذ عمليات واسعة في أكثر من محور.

    ثانيا: السيطرة طريق الصادرات:

    يعتبر طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض من أهم الطرق الاستراتيجية في السودان، لأنه يربط العاصمة بإقليم كردفان ثم دارفور. وأن وضع الجيش يده على هذا الطريق الحيوي، واستعادته والسيطرة عليه، يعني تأمين خطوط الإمداد العسكرية، وتسهيل انسياب الصادرات والواردات،
    وتسهيل حركة القوات والعتاد.
    ثالثا: عودة النشاط التجاري :
    هذه الخطوة أصابت قدرات قوات الدعم السريع بالشلل، وقلصت قدرتها على قطع الاتصالات بين وسط وغرب السودان.
    (5)

    وبقراءة هادئة للمعطيات على الأرض يمكن القول أيضا أن ما حققته القوات المسلحة السودانية خلال اليومين الماضيين ، كان بمثابة إحكام لحلقات التضييق على الدعم السريع، وقطع الطريق أمام أهم ميزة كانت تحتكرها، حيث
    كانت قوات الدعم السريع تعتمد على حرية الحركة في شمال كردفان للمناورة ونقل التعزيزات، لكن فقدان هذه المناطق يقلل من قدرتها على الحركة ويجعلها أكثر عرضة للاستهداف.
    (6)
    ويشير أكثر من محلل إلى أن هذه الانتصارت الأخيرة تنطوي على دلالات استراتيجية أخرى،
    إذا تمكن الجيش من تثبيت مكاسبه، فقد تترتب على ذلك عدة نتائج لصالح الجيش، وتتمثل في تأمين
    مدينة الأبيض، وفك شبح الحصار عنها وتعزيز أمنها وإبعاد خطر الهجمات المباشرة عنها، وفتح الطرق أمام قوافل المساعدات القادمة للمدينة.
    هذا فضلا عن تأمين الطرق البرية الرابطة بين العاصمة وكردفان، علاوة عن
    زيادة الضغط العسكري على مواقع الدعم السريع في غرب كردفان ودارفور.
    تحسين القدرة اللوجستية للجيش في أي عمليات لاحقة.
    (7)
    وتزامن مع كل تلك الانتصارات حالات استسلام لقوات الدعم السريع وتسليم معدادتها العسكرية للجيش، حيث تحدثت تقارير وتصريحات عن وقوع أعداد من عناصر الدعم السريع في الأسر أو استسلام بعضهم خلال العمليات، وإذا اتسع هذا الاتجاه بالفعل، فقد يعكس:
    انخفاض الروح المعنوية لدى بعض الوحدات، بل بداية الانهيار، وصعوبة الإمداد والانسحاب، بالإضافة إلى
    فقدان الثقة في إمكانية الاحتفاظ بالمواقع المتقدمة.
    (8)
    أما مستقبل قوات الدعم السريع
    يصعب الجزم بمستقبل أي طرف في نزاع مستمر، لكن يمكن تصور عدة سيناريوهات:
    السيناريو الأول: استمرار تراجعها في كردفان مع استمرار الإنسلاخات من صفوفها وحالات الاستسلام من بعض عناصرها على نحو يؤدي إلى انهيارها تماما وتحويلها الى قطاع طرق، وقوريلا كم حدث في مناطق مجاورة للسودان في اوقات سابقة.
    السيناريو الثاني: استمرار تراجعها مع إعادة تمركزها في مناطق أخرى، خاصة إذا فقدت المزيد من خطوط الإمداد.
    السيناريو الثالث: محاولة شن هجمات مضادة لاستعادة بعض المواقع لحفظ ماء الوجه، خاصة إذا حصلت على تعزيزات خارجية.
    السيناريو الرابع: التركيز على مناطق لا تزال تملك فيها نفوذاً، مع تقليل العمليات الواسعة في شمال كردفان.
    ولا يعني فقدان هذه المناطق وحده انتهاء قدرة قوات الدعم السريع على القتال، لكنه قد يحد من مرونتها العملياتية إذا استمر فقدان المحاور الحيوية، وهذا في حد ذاته يقود إنهيارها بالتدريج.
    (9)
    وهناك ثمة أبعاد سياسية يتوقع أن تنطوي على هذه الانتصارات، غير ان هذه الابعاد السياسية تعتمد على تثبيت الانتصارات،
    فإذا تمكن الجيش من تثبيت سيطرته على هذه المكاسب، فقد يؤدي ذلك إلى:
    تعزيز موقف الجيش في أي مفاوضات سياسية مستقبلية، إلى جانب زيادة ثقة مؤيدي القوات المسلحة، وتعزيز الثقة في قدراته على استعادة السيطرة على مناطق إضافية، فضلا عن تغيير حسابات الأطراف الإقليمية والدولية بشأن موازين القوى على الأرض.