الخاتمة التأسيسية للسلسلة
د. حيدر معتصم مدني
إشراف: مركز الخرطوم للحوار
بعد كل هذا المسار الطويل من:
الحروب،
والانقلابات،
والثورات،
والاتفاقات،
والتسويات،
والانقسامات،
يبدو السؤال الحقيقي أمام السودان اليوم أعمق بكثير من مجرد:
من يحكم؟
لأن التجربة السودانية كشفت ـ بصورة مؤلمة ومتكررة ـ أن الأزمة لم تكن فقط:
أزمة سلطة،
ولا أزمة حكومات،
ولا أزمة نخب سياسية فحسب.
بل كانت في جوهرها:
أزمة دولة لم تُنجز تأسيسها بصورة مكتملة.
ولهذا فإن ما يعيشه السودان اليوم لا يمكن فهمه فقط باعتباره:
صراعًا سياسيًا عابرًا،
أو حربًا أهلية،
أو اضطرابًا مرحليًا.
بل هو تعبير عن:
خلل تأسيسي عميق ظل يتراكم عبر عقود طويلة.
خلل يتعلق بـ:
غياب المرجعية الوطنية المستقرة،
وضعف العقد الاجتماعي،
واختلاط العلاقة بين:
المجتمع،
والسياسة،
والدولة،
وتحول الصراع السياسي إلى:
معركة مفتوحة على تعريف الوطن نفسه.
ومن هنا فإن أخطر ما واجهه السودان لم يكن:
ضعف الحكومات فقط…
بل:
عدم اكتمال الدولة نفسها بوصفها:
فكرة،
ومرجعية،
وإطارًا جامعًا للمجتمع.
ولهذا فإن مفهوم:
“عدم وجود الدولة”
لا يعني غياب:
المؤسسات،
أو الحكومات،
أو الأجهزة الرسمية.
بل يعني:
غياب المنظومة الوطنية المتكاملة التي تجعل وجود الدولة:
مستقرًا،
ومقبولًا،
ومحصنًا ضد الانهيار مع كل أزمة سياسية.
أي غياب:
العقد الاجتماعي،
والهوية الجامعة،
والمرجعية السيادية العليا،
والثقة الوطنية،
والمعنى المشترك للوطن.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ظل السودان ـ رغم وجود الحكومات والجيوش والدساتير ـ يعيش باستمرار داخل:
حالة هشاشة وجودية.
لأن الدولة نفسها لم تتحول بعد إلى:
مرجعية تعلو فوق:
الأحزاب،
والجماعات،
والأيديولوجيات،
والتحالفات المؤقتة.
ولهذا ظلت السياسة السودانية تتحرك داخل:
فراغ تأسيسي طويل.
فكل جماعة كانت تحاول:
إعادة تعريف الدولة،
والهوية،
والوطن،
وفق تصورها الخاص.
وهنا لم تعد السياسة:
تنافسًا على إدارة الدولة…
بل أصبحت:
صراعًا على اختراع الدولة من جديد في كل مرحلة.
ومن أخطر نتائج ذلك أن:
المجتمع نفسه تعرض للتسييس،
والهوية تحولت إلى أداة استقطاب،
والمجال المدني فقد استقلاله،
والأمن القومي جرى اختزاله،
والسيادة أصبحت عرضة للاختراق،
والدولة تراجعت لصالح:
الجماعات،
والهويات الفرعية،
والمشاريع الأيديولوجية.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
تسوية سياسية جديدة…
بل يحتاج إلى:
إعادة تأسيس شاملة.
إعادة تأسيس تبدأ أولًا من:
إعادة بناء المعنى الوطني نفسه.
أي:
بناء مرجعية وطنية تعلو فوق الصراع،
وعقد اجتماعي مستقر،
ومجتمع قوي مستقل عن الهيمنة السياسية،
وثقافة تؤمن بأن:
الوطن أكبر من الجماعات،
وأن الدولة ليست غنيمة،
وأن السياسة وظيفة لإدارة الاختلاف لا لإلغاء المختلفين.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
معركة وقف الحرب…
بل:
معركة بناء الدولة.
الدولة التي:
تسبق السياسة،
ولا تُختزل في السلطة،
ولا تُحتكر بواسطة أيديولوجيا،
ولا تتحول إلى ساحة دائمة لإعادة التعريف والصراع.
ومن هنا فإن السودان يحتاج اليوم إلى:
تحول وطني عميق.
تحول ينقل المجتمع من:
عقلية إدارة الأزمة…
إلى:
عقلية بناء الدولة.
ومن:
الاستقطاب…
إلى:
المرجعية المشتركة.
ومن:
الصراع على الغلبة…
إلى:
التنافس داخل وطن متفق عليه.
ومن:
الارتهان للخارج…
إلى:
بناء مشروع سيادي مستقل.
ولهذا فإن إعادة تأسيس الدولة السودانية ليست:
مشروع حزب،
ولا مشروع سلطة،
ولا مشروع جماعة بعينها.
بل هي:
مشروع مجتمع كامل يبحث عن:
وطن قابل للحياة والاستقرار والاستمرار.
وهو مشروع لا يبدأ فقط:
بالسياسة…
بل يبدأ أولًا:
بالعقل،
والوعي،
والمجتمع،
والثقافة الوطنية،
وبناء الثقة في أن السودان يمكن أن يتحول من:
ساحة صراع…
إلى:
دولة.
ومن هنا فإن السؤال الأكبر أمام السودانيين اليوم ليس:
من ينتصر؟
بل:
كيف نمنع الوطن نفسه من الضياع وسط صراعات المنتصرين والمهزومين؟
لأن الأوطان لا تُبنى بالغلبة وحدها…
بل تُبنى حين ينجح الناس في إنتاج:
مرجعية مشتركة تجعل الجميع يشعرون أنهم:
جزء من مشروع وطني واحد رغم اختلافاتهم.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد مستقبل السودان:
إما استمرار الدوران داخل:
دولة الأزمة…
أو الانتقال أخيرًا إلى:
دولة التأسيس.
وهنا فقط…
يبدأ السودان في التحول من:
وطن يبحث عن الدولة…
إلى:
دولة تعرف نفسها وتحمي مجتمعها وتصنع مستقبلها.











إرسال تعليق