السودان بين “عدم وجود الدولة” وإعادة التأسيس

  • بتاريخ : 10 يوليو، 2026 - 3:06 م
  • الزيارات : 25
  • الخاتمة التأسيسية للسلسلة

    د. حيدر معتصم مدني
    إشراف: مركز الخرطوم للحوار

    بعد كل هذا المسار الطويل من:
    الحروب،
    والانقلابات،
    والثورات،
    والاتفاقات،
    والتسويات،
    والانقسامات،
    يبدو السؤال الحقيقي أمام السودان اليوم أعمق بكثير من مجرد:
    من يحكم؟
    لأن التجربة السودانية كشفت ـ بصورة مؤلمة ومتكررة ـ أن الأزمة لم تكن فقط:
    أزمة سلطة،
    ولا أزمة حكومات،
    ولا أزمة نخب سياسية فحسب.
    بل كانت في جوهرها:
    أزمة دولة لم تُنجز تأسيسها بصورة مكتملة.
    ولهذا فإن ما يعيشه السودان اليوم لا يمكن فهمه فقط باعتباره:
    صراعًا سياسيًا عابرًا،
    أو حربًا أهلية،
    أو اضطرابًا مرحليًا.
    بل هو تعبير عن:
    خلل تأسيسي عميق ظل يتراكم عبر عقود طويلة.
    خلل يتعلق بـ:
    غياب المرجعية الوطنية المستقرة،
    وضعف العقد الاجتماعي،
    واختلاط العلاقة بين:
    المجتمع،
    والسياسة،
    والدولة،
    وتحول الصراع السياسي إلى:
    معركة مفتوحة على تعريف الوطن نفسه.
    ومن هنا فإن أخطر ما واجهه السودان لم يكن:
    ضعف الحكومات فقط…
    بل:
    عدم اكتمال الدولة نفسها بوصفها:
    فكرة،
    ومرجعية،
    وإطارًا جامعًا للمجتمع.
    ولهذا فإن مفهوم:
    “عدم وجود الدولة”
    لا يعني غياب:
    المؤسسات،
    أو الحكومات،
    أو الأجهزة الرسمية.
    بل يعني:
    غياب المنظومة الوطنية المتكاملة التي تجعل وجود الدولة:
    مستقرًا،
    ومقبولًا،
    ومحصنًا ضد الانهيار مع كل أزمة سياسية.
    أي غياب:
    العقد الاجتماعي،
    والهوية الجامعة،
    والمرجعية السيادية العليا،
    والثقة الوطنية،
    والمعنى المشترك للوطن.
    ومن هنا يمكن فهم لماذا ظل السودان ـ رغم وجود الحكومات والجيوش والدساتير ـ يعيش باستمرار داخل:
    حالة هشاشة وجودية.
    لأن الدولة نفسها لم تتحول بعد إلى:
    مرجعية تعلو فوق:
    الأحزاب،
    والجماعات،
    والأيديولوجيات،
    والتحالفات المؤقتة.
    ولهذا ظلت السياسة السودانية تتحرك داخل:
    فراغ تأسيسي طويل.
    فكل جماعة كانت تحاول:
    إعادة تعريف الدولة،
    والهوية،
    والوطن،
    وفق تصورها الخاص.
    وهنا لم تعد السياسة:
    تنافسًا على إدارة الدولة…
    بل أصبحت:
    صراعًا على اختراع الدولة من جديد في كل مرحلة.
    ومن أخطر نتائج ذلك أن:
    المجتمع نفسه تعرض للتسييس،
    والهوية تحولت إلى أداة استقطاب،
    والمجال المدني فقد استقلاله،
    والأمن القومي جرى اختزاله،
    والسيادة أصبحت عرضة للاختراق،
    والدولة تراجعت لصالح:
    الجماعات،
    والهويات الفرعية،
    والمشاريع الأيديولوجية.
    ولهذا فإن السودان لا يحتاج فقط إلى:
    تسوية سياسية جديدة…
    بل يحتاج إلى:
    إعادة تأسيس شاملة.
    إعادة تأسيس تبدأ أولًا من:
    إعادة بناء المعنى الوطني نفسه.
    أي:
    بناء مرجعية وطنية تعلو فوق الصراع،
    وعقد اجتماعي مستقر،
    ومجتمع قوي مستقل عن الهيمنة السياسية،
    وثقافة تؤمن بأن:
    الوطن أكبر من الجماعات،
    وأن الدولة ليست غنيمة،
    وأن السياسة وظيفة لإدارة الاختلاف لا لإلغاء المختلفين.
    ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط:
    معركة وقف الحرب…
    بل:
    معركة بناء الدولة.
    الدولة التي:
    تسبق السياسة،
    ولا تُختزل في السلطة،
    ولا تُحتكر بواسطة أيديولوجيا،
    ولا تتحول إلى ساحة دائمة لإعادة التعريف والصراع.
    ومن هنا فإن السودان يحتاج اليوم إلى:
    تحول وطني عميق.
    تحول ينقل المجتمع من:
    عقلية إدارة الأزمة…
    إلى:
    عقلية بناء الدولة.
    ومن:
    الاستقطاب…
    إلى:
    المرجعية المشتركة.
    ومن:
    الصراع على الغلبة…
    إلى:
    التنافس داخل وطن متفق عليه.
    ومن:
    الارتهان للخارج…
    إلى:
    بناء مشروع سيادي مستقل.
    ولهذا فإن إعادة تأسيس الدولة السودانية ليست:
    مشروع حزب،
    ولا مشروع سلطة،
    ولا مشروع جماعة بعينها.
    بل هي:
    مشروع مجتمع كامل يبحث عن:
    وطن قابل للحياة والاستقرار والاستمرار.
    وهو مشروع لا يبدأ فقط:
    بالسياسة…
    بل يبدأ أولًا:
    بالعقل،
    والوعي،
    والمجتمع،
    والثقافة الوطنية،
    وبناء الثقة في أن السودان يمكن أن يتحول من:
    ساحة صراع…
    إلى:
    دولة.
    ومن هنا فإن السؤال الأكبر أمام السودانيين اليوم ليس:
    من ينتصر؟
    بل:
    كيف نمنع الوطن نفسه من الضياع وسط صراعات المنتصرين والمهزومين؟
    لأن الأوطان لا تُبنى بالغلبة وحدها…
    بل تُبنى حين ينجح الناس في إنتاج:
    مرجعية مشتركة تجعل الجميع يشعرون أنهم:
    جزء من مشروع وطني واحد رغم اختلافاتهم.
    وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد مستقبل السودان:
    إما استمرار الدوران داخل:
    دولة الأزمة…
    أو الانتقال أخيرًا إلى:
    دولة التأسيس.
    وهنا فقط…
    يبدأ السودان في التحول من:
    وطن يبحث عن الدولة…
    إلى:
    دولة تعرف نفسها وتحمي مجتمعها وتصنع مستقبلها.