بقلم / محيي الدين قمر الدين
(رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء)
لا يكتب الصحفي عادةً عن نفسه، فهو مشغول بنقل هموم الناس وأوجاع الوطن، لكن حين يصبح “صانع الخبر” هو الخبر الحزين، وتتحول المؤسسات الصحفية التي كانت مناراتٍ للوعي إلى أطلالٍ تشهد على تشريد أهلها، حينها تصمت الأقلام إلا من وجعٍ لا يمكن كتمانه.إن واقع الصحفي السوداني اليوم ليس مجرد أزمة مهنية، بل هو كارثة إنسانية مكتملة الأركان. فقد كانت الصحافة، قبل الحرب، تعاني الأمرين تحت وطأة ضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، ثم جاءت الحرب المندلعة منذ عام 2023، فمزقت النسيج الاجتماعي لأسرٍ بأكملها، وألقت بجيشٍ من الكفاءات الإعلامية في غياهب الفقر والتشرد.إننا اليوم أمام مشهدٍ مأساوي؛ فعددٌ مهول من الصحفيين لا يجدون عملاً يعولون به أسرهم، ولديهم أبناء في المدارس، ويساندون أسرهم الممتدة، ولا يلوح في الأفق أمل، وسط صمتٍ مريب وتخاذلٍ غير مبرر من الأجسام التي كان يُفترض بها حماية هذه المهنة، سواء اتحاد الصحفيين أو نقابة الصحفيين، اللذان تهربا من مسؤولياتهما الأخلاقية والمهنية تجاه من دفعوا ثمن الصراعات السياسية من قوت أطفالهم واستقرار أسرهم.
إن الصحافة ركن أصيل في بناء الدولة واستقرارها، وتجاهل معالجة أوضاعها يعني إفراغ الوطن من عقوله وتهميش أصواته الرصينة. وإنني أرفع هذا البلاغ الإنساني والمهني إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، مناشداً إياه التدخل العاجل لإنصاف المتضررين من الحرب، وتوفير مظلة إسناد حقيقية للصحفيين المتأثرين بها، ليعودوا أكثر قوةً ومنعةً في أداء رسالتهم الوطنية.
ومن خلال هذه الرسالة، أعبر عن معاناة غالبية المسحوقين الذين قهرتهم الظروف، فأصبحوا يهيمون على وجوههم.
«لقد كان ما كان مما لا يجب أن يُروى، بل يجب ان يُوارى في طيات الذاكرة».
وإنني على يقين بأن هذه الرسالة ستجد طريقها إلى طاولة رئيس مجلس الوزراء، الذي نشهد له بالتفاني والسعي الدؤوب لمعالجة المشكلات. وأضع هذا الملف بين أيديكم، مؤمناً بأن العدالة التي نبحث عنها في أخبارنا، يجب أن نلمسها أولاً في حقوقنا المهضومة.فالصحفيون ليسوا مجرد أرقام في قوائم العاطلين، بل هم ذاكرة الوطن وحراسه. فهل من مجيب؟
ولديّ مقترحات عملية يمكن أن تسهم في انتشال الصحفيين من البئر السحيقة التي وجدوا أنفسهم فيها، وتمثل خارطة طريق للإنقاذ، أبرزها:
تأسيس صندوق إسناد الإعلاميين (مؤقت وعاجل): إنشاء صندوق طوارئ تحت إشراف رئاسة مجلس الوزراء، يُخصص لدعم الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم بسبب ظروف الحرب.
توفير إعانة معيشية شهرية: منح إعانة مالية مقطوعة لفترة انتقالية تتراوح بين ستة أشهر وعام، للصحفيين الذين يثبت فقدانهم لمصادر دخلهم.
إطلاق مبادرة للتوظيف الرقمي والتحديث: الاستفادة من الخبرات الصحفية المتراكمة، وتدريب الصحفيين على تقنيات الصحافة الرقمية والذكاء الاصطناعي في الإعلام، وربطهم بسوق العمل العالمي والمنصات الجديدة، بدلاً من الاعتماد الكلي على المؤسسات التقليدية المتهالكة.
والله الموفق.
محيي الدين قمر الدين
صحفي











إرسال تعليق