بقلم: د. سعاد فقيري
بعيدًا عن السياسة، وبعيدًا عن لغة البيانات والمواقف الرسمية، هناك وجه آخر للدبلوماسية لا يقل أهمية عن كل ما نقرأه في نشرات الأخبار؛ وجه الدبلوماسية الإنسانية، التي تظهر عندما يكون المواطن في حاجة، وعندما تتحول السفارة من مجرد مبنى رسمي إلى بيت للسودانيين وقنصلية مفتوحة لاحتياجاتهم.
ولعل أجمل ما قرأناه في هذا السياق ما كتبه الأستاذ صبري محمد علي (العيكورة) عن سعادة سفير السودان بالمملكة العربية السعودية، السيد دفع الله الحاج علي، عندما اتصل به يوم السبت قرابة الثانية ظهرًا بشأن أسرة سودانية تحتاج إلى خطاب عاجل لعلاج أحد أبنائها، في حالة مرتبطة بزراعة كلية.
كان من الطبيعي أن يتردد المتصل في إزعاج السفير في يوم عطلة وفي وقت القيلولة، لكنه اتصل، ولم يكد ينهي المكالمة حتى جاءه اتصال السفير.
الأجمل لم يكن مجرد الرد.
الأجمل أن السفير، بحسب رواية الكاتب، تعامل مع الحالة باعتبارها مسؤولية إنسانية قبل أن تكون معاملة إدارية، وطلب إرسال المستندات، مؤكدًا أن الخطاب سيكون من أول ما ينظر فيه في اليوم التالي.
وعندما اعتذر له الأستاذ صبري مرة أخرى لأنه ربما أيقظه من القيلولة، جاء الرد الطريف الذي اختصر فلسفة كاملة في العمل:
«يا حليل القيلولة يا أستاذ صبري… بتعرف نوم الديك في الحبل؟»
وهنا تستوقفني العبارة.
فـ«نوم الديك في الحبل» ليست مجرد طرفة سودانية جميلة، بل يمكن أن تصبح مدرسة في الخدمة الدبلوماسية.
السفير الذي يعرف أن المواطن قد يحتاج إليه في أي وقت، لا يعيش بمنطق أن المسؤولية تبدأ مع بداية الدوام وتنتهي بانتهائه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمريض، أو طالب، أو مواطن عالق، أو أسرة تواجه ظرفًا استثنائيًا.
نحن لا نطالب السفراء بأن يتخلوا عن حياتهم الخاصة، ولا أن تتحول السفارات إلى أبواب مفتوحة بلا نظام.
ولكننا نريد أن يشعر المواطن السوداني بأن خلف الهاتف مسؤولًا يسمع، وخلف السفارة مؤسسة تتحرك، وخلف العلم المرفوع على المبنى دولة تهتم بمواطنيها.
وهنا تأتي أهمية تجربة سفارة السودان في الرياض كما رواها الأستاذ صبري.
فهي تذكرنا أيضًا بمواقف سابقة ارتبطت بامتحانات الشهادة السودانية، عندما تطلب الأمر جهدًا متواصلًا وتنسيقًا يتجاوز الإجراءات الروتينية، حتى أمكن إنجاز الامتحانات في الخارج رغم تعقيدات الزمان والمكان والترتيبات.
وهذه هي الدبلوماسية التي نحتاج إليها اليوم:
دبلوماسية تتحرك قبل أن تتراكم المشكلة، وتستمع قبل أن يتصاعد صوت الشكوى، وتبحث عن الحل قبل أن تقول للمواطن: هذه ليست من اختصاصاتنا.
من الرياض إلى كل المحطات
إذا كانت عبارة «نوم الديك» قد أصبحت في هذا الموقف عنوانًا للجاهزية، فإن رسالتنا إلى سفراء السودان في جميع المحطات الخارجية هي:
احذوا هذا النموذج.
ليس المطلوب أن يكون كل سفير مستيقظًا على مدار أربع وعشرين ساعة، وإنما المطلوب أن تكون المؤسسة التي يقودها مستيقظة.
فوراء كل معاملة في السفارة إنسان.
وراء كل طلب جواز أسرة.
وراء كل تأخير طالب قد تضيع عليه فرصة.
وراء كل خطاب طبي مريض ينتظر العلاج.
وراء كل مشكلة إقامة أمٌّ تخشى على أبنائها.
وراء كل مواطن يقف أمام باب السفارة قصة تستحق أن تُسمع.
ومن هنا فإن نجاح السفارات لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الاجتماعات واللقاءات والبروتوكولات، وإنما أيضًا بمؤشرات أكثر قربًا من المواطن:
كم معاملة أُنجزت؟
كم مشكلة حُلّت؟
كم طالبًا حصل على خدمته في الوقت المناسب؟
كم حالة إنسانية تدخلت السفارة لمعالجتها؟
وكم مواطنًا خرج من السفارة وهو يشعر أن دولته تقف إلى جانبه؟
السفير الذي يسمع… يصنع الثقة
الدبلوماسية الحديثة لم تعد مجرد تمثيل للدولة أمام الدولة المضيفة.
إنها أيضًا إدارة لعلاقة الدولة بمواطنيها في الخارج.
والسفير الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع بين هيبة المنصب وقرب المسؤول من الناس، وبين احترام الإجراءات وسرعة الاستجابة للحالات الإنسانية، وبين العمل المؤسسي واللمسة الإنسانية.
لذلك فإن «نوم الديك في الحبل» يمكن أن يتحول من عبارة طريفة إلى ثقافة عمل:
أن تكون السفارة يقظة.
أن يكون الهاتف الرسمي قابلًا للاستجابة للحالات الطارئة.
أن تكون هناك آلية واضحة للحالات الإنسانية خارج أوقات الدوام.
أن تكون الأولوية للمواطن المحتاج للخدمة، لا للوسيط والساعي والمجاملة.
وأن يعرف كل سوداني في الخارج أن السفارة ليست مكانًا يخشاه المواطن، وإنما مؤسسة يلجأ إليها عندما يحتاج وطنه.
شكرًا للعيكورة… وشكرًا للسفير
الأستاذ صبري محمد علي لم يكتب مجرد قصة عن مكالمة هاتفية.
لقد فتح نافذة على نموذج نحتاج إلى أن نراه أكثر في مؤسساتنا الخارجية.
وسعادة السفير دفع الله الحاج علي، من خلال هذه الواقعة كما رواها الكاتب، قدم صورة تستحق الإشادة لمسؤول تعامل مع حالة إنسانية بروح المسؤولية والاستجابة.
وقد تكون هذه الواقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها.
فالدولة لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى.
أحيانًا تُبنى الدولة من مكالمة هاتفية، ومن مسؤول يرد على مواطن، ومن موظف يقول: «أرسل المستندات»، ومن سفير يشعر أن مشكلة مواطنه هي جزء من مسؤوليته.
وهنا نقول لسفرائنا في كل المحطات:
اجعلوا سفارات السودان يقظة… واجعلوا أبوابها مفتوحة للمواطن… واجعلوا «نوم الديك في الحبل» عنوانًا للجاهزية، لا مجرد طرفة سودانية.
فالمواطن السوداني في الخارج لا يريد المستحيل.
يريد فقط أن يشعر أن السودان معه، حتى وهو بعيد عن السودان.
ولسعادة السفير دفع الله الحاج علي نقول:
شكرًا لأنكم ذكّرتمونا بأن الدبلوماسية يمكن أن تكون إنسانية، وأن المسؤولية لا تنام نومًا عميقًا، وأن أجمل صورة للسفير هي أن يجد المواطن بابه مفتوحًا عندما يحتاجه.
ولعلها رسالة تستحق أن تصل إلى كل محطة دبلوماسية سودانية:
كونوا قريبين من مواطنيكم… يقظين لخدمتهم…
فالوطن لا يغيب عن أبنائه، والسفارة هي أحد وجوه الوطن في الغربة.







إرسال تعليق