رحلة في قطار الزمن مع أبي صلاح
بقلم / د. مختار خضر بشراب
طرقنا الباب، مستأذنين الدخول إلى حضرة الشاعر القامة أبي صلاح، ثم أطلق القطار صافرته، وانسابت عجلاته بهدوء، كأنها تعرف أننا لا نسافر إلى مكان بقدر ما نسافر إلى زمن.
في المقعد المقابل جلس أبو صلاح، وحقيبته القديمة إلى جواره. لم يكن مجرد شاعر من شعراء الحقيبة؛ كان واحداً من أولئك الذين استطاعوا أن يلتقطوا تفاصيل الحياة الصغيرة، ويمنحوها حياة أخرى في الشعر والغناء. صالح عبد السيد أبو صلاح، كما عرفه الناس، ترك وراءه قصائد لم تحفظ الكلمات وحدها، وإنما حفظت معها أمكنة ووجوهاً ومواقف من زمن مضى.
لم نرد أن نقرأ سيرته كما تُقرأ السير، ولا أن نستعرض قصائده واحدة بعد أخرى. أردنا أن نجلس إليه، ونتركه يستعيد ذاكرته بنفسه؛ أين بدأت القصيدة، ومن أي مشهد خرجت، وكيف تحولت لحظة عابرة إلى كلمات، ثم إلى أغنية بقيت في ذاكرة الناس.
ابتسم، وأسند ظهره إلى المقعد، وقال:
(أول حاجة خلوني أحكي ليكم حكاية الفريع.)
الفريع… حين تولد القصيدة من نظرة
كان أبو صلاح يستعيد المشهد كأنه يراه أمامه.
كنا في بابور البحر، ماشيين جنوب. وفي الطريق وقفنا قريب من ود الزاكي. وهناك شفت بنتين… واحدة نادت التانية باسم الفريع. الاسم ذاته شدّني، والمشهد كله دخل في راسي.
وتختلف الروايات في تفاصيل الاسم والحكاية، لكن ما بقي في الذاكرة الشعبية هو أن تلك اللحظة العابرة كانت الشرارة التي خرجت منها قصيدة (قلبي هام مالو)
وكأن الشاعر لم يكن يحتاج إلى أكثر من نظرة واسم وملمح حتى يبدأ الشعر في داخله:
قلبي هام مالو خديدك وجمالو
معذب في هواك مالو
بدر حسنك لاح والقلوب مالو
لي هواك وشوق قلبي عمالو
يا فريع ياسمين متكي في رمالو
قولي عاشقك وين ضاعت آمالو
توقّف أبو صلاح لحظة، ثم قال:
شايفين؟ مرات القصيدة ما بتجيك عشان قعدت تكتب. بتجيك عشان شفت حاجة ما قدرت تنساها.
وهنا بدا لنا أن الحقيبة التي إلى جواره لم تكن تحمل أوراقاً فقط؛ كانت تحمل صوراً صغيرة من الحياة، صوراً لم يكن أحد يعرف أنها ستتحول يوماً إلى أغنيات.
الليل الذي أصبح شاهداً
تركنا الفريع وراءنا، ومضى القطار.
كان الليل قد أرخى سدوله خلف النوافذ، فبدا أن الحديث عن الليل نفسه لا بد أن يأتي.
قلت له: وماذا عن «يا ليل أبقالي شاهد»؟
ضحك وقال:
الليل دا عندو حكايات كتيرة… والزول البسهر بعرف الكلام دا..
ثم أخذ يستعيد الأبيات:
يا ليل أبقالي شاهد
على نار شوقي وجنوني
يا ليل صار ليك معاهد
طرفي اللي منامي زاهد
دن لي سهر وأشاهد
فوق لي نجمك ظنوني
يا جميل لي سهري واجد
وأراك نايم وهاجد
لم يكن الليل في هذه القصيدة مجرد زمن للسهر؛ كان كأنه شخص آخر يجلس إلى جوار العاشق، يسمع شكواه ويحفظ سره.
قال أبو صلاح:
«الليل مرات بكون صاحبك الوحيد. الناس كلها نامت، وإنت صاحي مع قلبك… والقصيدة بتطلع.»
ثم سكت قليلاً.
وربما كان أجمل ما في حديثه أنه لم يكن يتحدث عن الشعر باعتباره صناعة، وإنما باعتباره حالة يعيشها الإنسان قبل أن تصبح كلمات.
حين يصبح الجمال قصيدة
واصل القطار سيره، وتبدلت المشاهد خلف النافذة، لكن الحكايات بقيت في المكان نفسه: حيث يبدأ الشعر من صورة.
قال أبو صلاح:
الشاعر مرات بشوف الحاجة بعين الناس، لكن بحسها بطريقة مختلفة.
ومن هنا جاءت صور أخرى بقيت في ذاكرة الحقيبة، ومنها «يا جوهر صدر المحافل»:
يا جوهر صدر المحافل
روحي معاك التطفّيها
ما النور الفي حليّه رافل
في حق نهده قلوبنا قافل
كالظبي الفي مقيله غافل
تارة يميل والتانية جافل
في هذه القصيدة لا نجد مجرد وصف للجمال، وإنما ذلك النوع من التصوير الذي يجعل المحبوبة صورة تتحرك أمام العين؛ مرة كالظبي، ومرة كالنور، ومرة كشيء يستعصي على القلب أن يتجاهله.
ابتسم أبو صلاح وقال:
(زمان كانوا بيدوا الصورة حقها… ما مستعجلين. الكلمة كانت بتتأنى.)
ولعل هذه واحدة من الفروق التي تجعل شعر الحقيبة يبدو، حتى اليوم، كأنه يحتاج إلى أذن هادئة لا إلى سماع عابر.
(خلي العيش حرام) … حين يتحول العشق إلى معركة
ثم فتح الحقيبة مرة أخرى.
كانت هناك أوراق كثيرة، كأن الزمن نفسه قد ترك شيئاً من آثاره بينها.
قال:
لكن في قصائد ما كانت بتعرف الهدوء.
وكان يقصد، على ما يبدو، «خلي العيش حرام
ثم أنشد:
خلي العيش حرام مادام أرى الموت يحل
ما بين الرميش فوق لي الطريف الكحيل
هزاز صدرو ميل فدع الخصر النحيل
بالرجاج يقـالع شبه المهر الوحيل
النوم مني فرّ وقلبي ناوي الرحيل
من غير المنام طيف الخيال مستحيل
والآني اشتياقي وقلبي أصبح وجيل
تتملك محاسنك روحي جيل بعد جيل
والاك الجمال يرفع لي قدرك يجل
يتمنى الهلال ينصاغ لي قديمك حجل
بنخوض الرماح لو كان تزيد أو تقل
ونخاف من ضمير الأهـيف المنفقل
بنقابل المدافع بالثبات والعقل
ونهاب سيف عيونو اللمعو يبرق صقيل
يا المنك معار تكحيل شويدن الخميل
علمت الغصون مع النسيم كيف تميل
هنا لم يعد العشق مجرد شوق. أصبح حالة تستولي على الإنسان كله؛ على نومه، وخياله، وروحه، وحتى على اللغة التي يستخدمها في وصف من يحب.
قال أبو صلاح:
(الزول العاشق ما بكون عاقل شديد… لكن الشاعر لازم يكون صاحي، عشان يعرف يجيب الكلام.) وضحك فضحكنا معه.
الخوجلاب… وآمنة الصديق
وبينما كنا نظن أن الحكايات كلها ستدور في أم درمان، أخذنا أبو صلاح إلى مكان آخر.
إلى الخوجلاب.
هناك، كما تروي الرواية التي تناقلتها أسرة آمنة الصديق بابكر، كان زواج عثمان إبراهيم، ابن عمدة الخوجلاب، مناسبة اجتمع فيها الناس، وكان أبو صلاح من بين المدعوين.
وكانت آمنة الصديق بابكر يومها شابة لفتت انتباه الشاعر بجمالها وحضورها.
وليس من السهل أن نعرف بالضبط أين تنتهي الحقيقة التاريخية وتبدأ الذاكرة الشعبية، لكن الحكاية بقيت مرتبطة باسمها وبالمكان، وتحولت لحظة اللقاء إلى قصيدة.
قال أبو صلاح:
(في الخوجلاب يا قلبي… الحكاية كانت هناك.)
ثم جاءت الكلمات:
في الخوجلاب يا قلبي مني شالك مين
ديل البروق الشالن أم درر ياسمين
ما بين ظل الأيك ونفحة الياسمين
أم ديل شلوخه تلاتة ومن تحت وسمين
يا قلبي بينه وبيني اليقسمك قسمين
تأملنا الكلمات.
لم تكن الخوجلاب مجرد مكان في القصيدة. أصبحت جزءاً من ذاكرتها.
وهذه ربما إحدى عجائب الشعر: أن المكان الذي يمر به الناس كل يوم يمكن أن يتحول، بكلمات شاعر، إلى مكان يعيش في وجدان أجيال لم تره أصلاً.
بدور القلعة… صورة أخرى لا تشبه سواها
قلت له: وماذا عن القلعة؟
تغيرت ملامحه قليلاً، كأنه ينتقل إلى صورة أخرى محفوظة في مكان مختلف من الذاكرة.
فـ «بدور القلعة وجوهرا» قصيدة لها عالمها الخاص، وتختلف الروايات في تفاصيل المناسبة التي ارتبطت بها، لكن صورتها الشعرية بقيت واضحة:
العيون النوركن بجهرا
غير جمالكن مين السهرا
يا بدور القلعة وجوهرا
السيوف ألحاظك تشهرا
للفؤاد المن بدري انهرا
أخفى ريدتك مرة واجهرا
هنا تبدو القلعة خلفية للمشهد، لكن الجمال هو البطل الحقيقي.
العيون سيوف، والنظرات سهام، والقلب لا يجد أمام هذا الجمال إلا أن يستسلم.
قال أبو صلاح:
(المكان مرات بساعد القصيدة… لكن القصيدة بعد داك بتدي المكان عمر جديد.)
فهمنا ما يقصده.
فالقلعة ليست هي القصيدة، كما أن الفريع ليس هو القصيدة، والخوجلاب ليس هو القصيدة.
المكان يمنح الشاعر اللحظة، والشاعر يمنح المكان ذاكرة.
وحين دخلنا إلى عالم المغنين
كان القطار قد قطع مسافة طويلة، لكن الحديث لم يكن يبدو قريباً من النهاية.
سألناه عن الأغاني حين خرجت من الورق ووصلت إلى أصوات المغنين.
ابتسم أبو صلاح ابتسامة مختلفة.
وقال:
(إنتو عايزين تعرفوا الحكاية كلها؟ القصيدة ما كانت بتعيش براها. كان وراها شعراء، ومغنين، ومجالس، وناس بتحب الشعر وبتسمعو وبتحفظو.)
هنا بدأ اسم كرومة يظهر في الحديث.
لم يكن كرومة بالنسبة لأبي صلاح مجرد صوت يؤدي الكلمات.
كان مغنياً يعرف كيف يدخل إلى القصيدة، وكيف يمنحها روحاً جديدة.
قال:
(كرومة كان بفهم الكلام. ودي حاجة مهمة. المغني ما بس صوت حلو. لازم يعرف الكلام القالوا الشاعر، ويحس بيهو)
ومن بين الأعمال التي ارتبطت بصوت كرومة في الذاكرة الغنائية قصيدة (شوف العين دا لا لا)
شوف العين دا لا لا
صدت من تيها ودلالها
ريتك ساكنة الجوف خلالا
والأعضاء امتزجت خلالا
براق سنك شق لالا
ولحظك صاب أحشاي قلالا
أسباب الغي والعلالا
ضمرتها وصدر العلالا
نور في نور يا ذا الجلالا
وخدن بالدمعة انجلالا
بالبى تعلمى انتحالا
زايد غيو داوى محالا
صرة عين إخدرا فالا
وبين طبقات رمشا الرخالا
فى الترنيع ماليك مثالا
علمتى الغصن الرتالا
ثم صمت أبو صلاح.
لم تكن هناك حاجة إلى شرح طويل.
فالقصيدة كانت تقول ما يكفي.
وربما كان هذا هو سر العلاقة بين شعراء الحقيبة ومغنيها: لم يكن الشاعر يكتب الكلمات ليأتي المغني لاحقاً فيؤديها فحسب؛ كانت القصيدة تدخل مجلساً فنياً واجتماعياً، وتخضع للغناء، وللحن، وللأذن، وللجمهور، حتى تصبح شيئاً أكبر من لحظة كتابتها الأولى.
الشعراء والمغنون… حكاية أخرى
سألناه عن ذلك الزمن: هل كان الشعراء وحدهم يصنعون الأغنية؟
هز رأسه وقال:
لا يا جماعة… الحكاية أكبر من كدا..
ثم أخذ يتحدث عن المجالس، والمطارحات، والشعراء، والمغنين، وكيف كانت القصيدة تنتقل من فم إلى فم، ومن مجلس إلى مجلس.
كان هناك شعراء لكل واحد منهم صوته، وكانت هناك أصوات غنائية قادرة على التقاط ذلك الصوت وإيصاله إلى الناس.
ولذلك لم تكن الحقيبة مجرد مجموعة من القصائد؛ كانت بيئة كاملة يعيش فيها الشعر والغناء معاً.
كان الشاعر يكتب، والمغني يختار، والملحن يجرّب، والمجلس يسمع، والجمهور يحفظ.
ثم تعود القصيدة مرة أخرى إلى أصحابها وقد اكتسبت حياة جديدة.
قال أبو صلاح:
عشان كدا الأغنية مرات بتكبر من القصيدة ذاتا.
ثم نظر إلى أوراقه.
والحكاية دي براها محتاجة قعدة.
لم نسأله ماذا يقصد.
كان في صوته ما يوحي بأن القطار لم يصل بعد إلى المحطة الأخيرة.
الحقيبة التي لا تزال مفتوحة
بدأ الليل يثقل خارج النافذة.
أما أبو صلاح فكان لا يزال محتفظاً بتلك الابتسامة التي تظهر حين يتذكر الإنسان شيئاً بعيداً لا يستطيع الآخرون رؤيته.
نظرنا إلى الحقيبة.
كم قصيدة يمكن أن تختبئ في حقيبة شاعر؟
وكم حكاية؟
وكم اسماً؟
وربما كان السؤال الأهم: كم من التفاصيل الصغيرة التي عاشها أصحاب ذلك الزمن ثم نسيناها، بينما بقيت القصيدة وحدها شاهدة عليها؟
لقد علّمنا أبو صلاح، من غير أن يقول ذلك مباشرة، أن الأغنية لا تولد دائماً من مناسبة كبيرة.
قد تولد من نظرة.
من اسم سمعه شاعر، من فتاة مرّت في مجلس، من ليل طويل.، من مكان عابر، من ابتسامة.
ثم تأتي الكلمة، فيلتقطها اللحن، ويحملها صوت المغني، ويحفظها الناس.
وبعد سنوات طويلة، لا يبقى أحد من أولئك الذين كانوا في المشهد الأول، لكن الأغنية تظل قادرة على أن تعيد المشهد من جديد.
وهكذا يصبح الشاعر، من حيث لا يدري، شاهداً على زمن لم يعد موجوداً.
وتصبح الأغنية قطاراً آخر، يستطيع من يستمع إليها اليوم أن يركبه ويسافر إلى ذلك الزمن.
الرحلة لم تنتهِ
وخارج النافذة كان الليل قد اكتمل، ولم يعد يظهر من الطريق سوى ومضات بعيدة تتلاشى سريعاً.
جمع أبو صلاح أوراقه واحدة بعد أخرى، وأعادها إلى حقيبته. وحين ظننا أن الرحلة انتهت، بقيت يده على الحقيبة لحظة، كأنه تذكّر شيئاً لم يحن وقته بعد.
نظر إلينا وقال:
لكن يا جماعة… الحكاية ما بتنتهي هنا. وما كل الشعر كان غزل. ثم ابتسم.
كانت ابتسامته هذه المرة مختلفة؛ فيها شيء من السر، كأنه يعرف أن في الحقيبة ما لم نره بعد.
لم نسأله.
فبعض الأسئلة أجمل حين تظل معلقة.
أغلق الحقيبة، وأعادها إلى جواره. ثم أسند رأسه إلى المقعد وأخذ ينظر من النافذة، بينما ظل القطار يمضي في الليل، صفيره يجيء من بعيد ثم يختفي، كأنه ينادي زمناً آخر.
وظللنا ننظر إلى الحقيبة.
ماذا بقي فيها؟
قصائد لم تُقرأ؟ حكايات لم تُروَ؟ أم أسماء أخرى تنتظر أن تستيقظ من بين أوراقها؟
لم نعرف.
كل ما عرفناه أن أبا صلاح، قبل أن يغمض عينيه، ابتسم وقال:
المرة الجاية… نتونس عن ناس تانيين
ثم سكت.
وأطفأ القطار بعض أضوائه.
وفي العتمة، بدا لنا أن الرحلة الحقيقية ربما لم تبدأ بعد.
أطلق القطار صفيرته من جديد… ومضى.
د. مختار بشراب







إرسال تعليق