بقلم/ د.سعاد فقيري
مقال العيكورة لا يتحدث فقط عن النظافة أو الأرصفة أو مداخل المدن ، بل يطرح سؤالاً أعمق: هل غيّرتنا تجربة اللجوء والنزوح؟ وهل تعلمنا أن الوطن ليس حكومة فقط، بل سلوك يومي وثقافة عامة ومسؤولية مشتركة؟
إن بناء السودان بعد الحرب لن يبدأ من الأبراج العالية ولا من المؤتمرات الكبرى، وإنما من الانتباه إلى تلك “الصغائر” التي أشار إليها الكاتب، لأنها في الحقيقة ليست صغائر أبداً، بل هي أساس الحضارة.
أولاً: بناء الإنسان قبل بناء الجدران
لقد أثبتت تجارب الأمم أن إعادة الإعمار ليست إعادة بناء ما تهدم فقط، وإنما إعادة بناء العقل والسلوك.
فإذا عاد المواطن إلى:
رمي النفايات في الطرقات،
تجاوز القانون،
إهمال الممتلكات العامة،
البحث عن الواسطة والمحسوبية،
فلن تنجح أي خطة إعمار مهما بلغت ميزانيتها.
ولهذا يجب أن يكون شعار المرحلة:
“إعمار الإنسان أولاً… ثم إعمار المكان.”
ثانياً: تحويل الوطنية من شعارات إلى ممارسات
الوطنية ليست فقط رفع العلم أو ترديد الأناشيد.
الوطنية هي:
المحافظة على نظافة الشارع.
احترام إشارات المرور.
حماية المرافق العامة.
دفع الضرائب والرسوم القانونية.
رفض الرشوة والفساد.
احترام الوقت والنظام.
فالمواطن الذي يحافظ على شجرة أمام منزله قد يخدم الوطن أكثر من خطيب يملأ المنابر حديثاً عن الوطنية.
ثالثاً: مداخل المدن عنوان الدولة
أول ما يراه الزائر هو مدخل المدينة.
لذلك ينبغي أن تتبنى الدولة مشروعاً قومياً بعنوان:
“مدن نظيفة… وطن جميل”
يشمل:
إزالة التشوهات البصرية.
تنظيم الأسواق العشوائية.
إنشاء نقاط أمنية حديثة.
استبدال الأكواخ والخيام المؤقتة بمنشآت نظامية.
تشجير الطرق الرئيسية.
استخدام الطاقة الشمسية للإنارة.
فالمدخل الجميل يرسل رسالة بأن هناك دولة تحترم نفسها.
رابعاً: استثمار الطاقات الشبابية
الكاتب أشار إلى الشباب الجالسين على الأرصفة ومداخل المدن.
السودان بعد الحرب يحتاج إلى تحويل هؤلاء من متلقين للخدمات إلى صناع للتنمية عبر:
برامج الخدمة الوطنية المدنية.
مشروعات النظافة والتشجير.
التعاونيات الزراعية والإنتاجية.
التدريب المهني والتقني.
مشروعات ريادة الأعمال الصغيرة.
الشباب ليسوا عبئاً على الوطن، بل رأس ماله الحقيقي.
خامساً: ثقافة “الحكومة تعمل ونحن نتفرج”
هذه من أكبر الأزمات التي واجهت السودان لعقود.
الحقيقة أن:
الحكومة تبني طريقاً.
المواطن يحافظ عليه.
الحكومة تنشئ مدرسة.
المجتمع يصونها.
الحكومة توفر الخدمات.
المواطن يراقب ويحمي.
فالتنمية شراكة وليست مسؤولية جهة واحدة.
سادساً: مشروع وطني للسلوك الحضاري
نحتاج إلى حملة قومية طويلة المدى تشارك فيها:
المدارس.
الجامعات.
المساجد والكنائس.
الإعلام.
منظمات المجتمع المدني.
الإدارات الأهلية.
عنوانها:
“السودان الجديد يبدأ مني.”
بحيث يشعر كل مواطن أن لديه دوراً مباشراً في بناء الوطن.
هل سنتعلم من التجربة المصرية؟
التعلم لا يعني تقليد مصر أو غيرها، بل الاستفادة من التجارب الناجحة.
لقد رأى السودانيون في مصر:
احتراماً نسبياً للنظام العام.
اهتماماً بالمظهر الحضري.
صيانة للطرق والكباري.
شعوراً عاماً بالانتماء للمكان.
والمطلوب أن ننقل هذه القيم إلى السودان بما يناسب بيئتنا وثقافتنا.
الخلاصة :
السودان الذي نحلم به لن يُبنى فقط بالمنح والقروض والمؤتمرات الدولية، بل سيُبنى عندما يقرر كل مواطن أن يبدأ بنفسه.
فإذا انتبهنا إلى تلك “الصغائر” التي تحدث عنها العيكورة:
النظافة،
النظام،
احترام القانون،
جمال المدن،
الانضباط المهني،
فإنها ستتحول مع الوقت إلى “كبائر إيجابية” تصنع دولة حديثة.
ولعل أعظم درس خرج به السودانيون من سنوات الحرب والنزوح هو أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل قيمة عظيمة لا ندرك معناها الكامل إلا عندما نفقدها أو نبتعد عنها. ولذلك فإن معركة ما بعد الحرب ليست معركة إعادة إعمار المباني فحسب، بل معركة إعادة بناء الوعي السوداني نفسه.










إرسال تعليق