من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر ومشوار السنين (6)

  • بتاريخ : 16 أبريل، 2026 - 10:19 ص
  • الزيارات : 20
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق 
    “كاتب – روائي – محامي”
    الحلقة السادسة:

    الحياة في القرية… ملامح من زمنٍ لا يُنسى

    لم تكن الحياة في القرية مجرد نمطٍ للعيش، بل كانت حالةً كاملة من الارتباط العميق بالأرض والناس والزمان.

    كانت الأيام تُولد من رحم البساطة، وتمضي بإيقاعٍ هادئٍ لا يعرف العجلة، لكنه كان غنيًّا بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة العمر.

    كان الصباح يبدأ مبكرًا، قبل أن تكتمل ملامح الضوء، حين تختلط رطوبة الفجر بأصوات الحياة الأولى…صياح الديكة، وخطوات الناس نحو أعمالهم، وحركة المواشي وهي تستعد ليومها الطويل في المراعي.

    في ذلك التوقيت، كانت القرية كلها تبدو كأنها تنهض بروحٍ واحدة. وكانت البيوت، رغم تواضعها، تحمل دفئًا لا يُقاس بالمظهر…
    ففيها تُخبز البدايات، وتُروى الحكايات، وتُدار تفاصيل الحياة اليومية ببساطةٍ عميقةٍ لا تخلو من الحكمة.

    وكانت الأم، في قلب هذا المشهد، تصنع من القليل الكثير، وتمنح البيت نظامه وطمأنينته.

    وفي مواسم الزراعة، كانت القرية تتحول إلى ورشة حياة مفتوحة…الأرض تُستنهض، والبذور تُودَع في ترابها، والأمل يُزرع قبل المحصول. وكان الناس، رغم مشقة العمل، يجدون في ذلك نوعًا من الفرح الصامت، كأنهم يشاركون في طقسٍ من طقوس البقاء.

    ولم تكن المناسبات عابرة في حياة القرية، بل كانت لحظاتٍ كاشفةً لعمق التماسك الاجتماعي…ففي الأعراس، كانت البيوت تنفتح، والأصوات تعلو بالغناء، والوجوه تتلاقى على الفرح، حتى يغدو العرس شأنًا جماعيًا لا يخص بيتًا بعينه.

    وفي الأتراح، كانت القرية تتماسك في صمتٍ مهيب، يتقاسم الناس فيه الحزن، ويخففون عن بعضهم وطأته بحضورهم الصادق ومواساتهم.
    ولم تكن هذه الظواهر مقصورةً على البردانة وحدها، بل كانت نموذجًا متكررًا في جميع قرى الدندر…
    حيث كانت القرى، على تباعدها، تعيش بروحٍ واحدة، وتتحرك بإحساسٍ مشترك.
    فكان أهل القرى المجاورة يفدون إلينا في الأفراح والأتراح، لا للمشاركة الوجدانية فحسب، بل للمساهمة الفعلية أيضًا، يمدّون يد العون بما تيسر من المال والجهد، في مشهدٍ تتجلى فيه أسمى معاني التكافل والتضامن.
    لم يكن ذلك تفضّلًا، بل كان جزءًا من نسيج الحياة نفسه، وقاعدةً غير مكتوبة تُدار بها شؤون المجتمع، حيث يتقاسم الناس الأفراح كما يتقاسمون الأحزان، دون حسابٍ أو منّة.
    وكانت ليالي القرية صفحةً أخرى من صفحات الحياة…
    حين يهبط الليل بهدوئه، تتجمع الأسر في ساحات البيوت، حيث تمتد الأحاديث بلا تكلف، وتُروى الأحاجي، وتُستعاد حكايات الأوّلين.
    كانت تلك المجالس فضاءً حيًّا تنتقل فيه القيم في سلاسة، وتترسخ عبره معاني الحكمة والانتماء في النفوس.

    أما الأسواق، فكانت نبضًا دوريًا للحياة…تأتيها الناس من القرى المختلفة، يحملون نتاج أرضهم وأيديهم، ويتبادلون البيع والشراء كما يتبادلون الأخبار.
    لم يكن السوق مجرد مكانٍ للتجارة، بل ملتقىً اجتماعيًا تتجدد فيه الصلات وتُعرف فيه أحوال الناس.

    وفي موسم الخريف، كانت القرية ترتدي ثوبًا آخر…
    تخضرّ الأرض، وتنتعش الحياة، وتفوح رائحة الطين المبتل، فيمتزج التعب بالأمل، والعمل بالرجاء.

    وكان الخريف، بما يحمله من مشقةٍ وجمال، يلخّص علاقة الإنسان بالأرض؛ عطاءً وانتظارًا، وصبرًا وثمرة.

    وهكذا لم تكن الحياة في القرية تسير على وتيرةٍ واحدة، بل كانت تتبدل ملامحها مع الليل والنهار، ومع المواسم والمناسبات، لكنها في كل حالاتها كانت تحتفظ بروحها الأصيلة…روح البساطة، والتكافل، والرضا، والانتماء العميق الذي لا تذروه الأيام.