لو أرادك الله صلبًا لخلقك صخرة… لكن لين الطين فيك كان مقصودًا

  • بتاريخ : 5 يونيو، 2026 - 3:50 م
  • الزيارات : 17
  •  

    بقلم/ شذى عبد الله طه زين الدين

    ​في مرحلة ما من العمر، يتوقف الإنسان عن الشكوى من الآخرين ويبدأ في الشكوى من نفسه؛ لا لأنه أخطأ، بل لأنه تعب من حمل قلبٍ يتأثر أكثر مما ينبغي، ويهتم أكثر مما يجب، ويتذكر ما ينساه الآخرون بسهولة. وفي لحظات التعب هذه، تراوده أمنية غريبة: أن يصبح أقل شعوراً، وأن يمتلك قلباً أكثر صلابة يمر فوق الأشياء دون أن تترك فيه أثراً.
    ​لكن الحياة تكشف لنا حقيقة مختلفة: إن أكثر ما أتعبنا في أنفسنا، كان أحياناً أجمل ما فينا.
    ​لقد أقنعنا هذا العالم بأن القسوة نوع من النجاة، وبأن الذي لا يبالي يعيش مرتاحاً أكثر. وربما في ذلك شيء من الحقيقة، لكن الحقيقة الكاملة ليست هنا. فالإنسان لا يعيش بما يجنبه الألم فحسب، بل بما يمنحه المعنى أيضاً. وما القيمة في روح لم تهتز يومًا لوجع إنسان؟
    ​إن الذين يشعرون بعمق يدفعون ثمنًا أكبر، نعم، لكنهم أيضاً يمنحون الآخرين دفئاً لا يُشترى ولا يُتعلم.
    ​”فالشمس لا تصبح مذنبة لأن أحدهم أغلق نافذته، والنهر لا يُلام لأن عابراً لم يعرف كيف يشرب منه، وكذلك القلوب النقية لا تصبح خطأ لأنها صادفت القلوب الخطأ.”
    ​هناك فرق كبير بين أن تتعلم من تجاربك لـتصبح أكثر حكمة، وبين أن تسمح لها بتغيير جوهرك. فالمؤسف أن كثيراً من الناس ينجون من الخذلان، لكنهم يفقدون قدرتهم على الثقة والحب، وتلك ليست نجاة كاملة.
    ​الأقوياء حقاً ليسوا أولئك الذين لا يبكون أو لا يتأثرون، بل هم الذين حافظوا على إنسانيتهم رغم كل شيء؛ الذين عرفوا القسوة ولم يصبحوا قساة. فالصلابة ليست دائماً فضيلة؛ الصخرة لا تنكسر بسهولة، لكنها لا تنبت شيئاً، أما الطين، ورغم لينه، فهو الذي يحتضن البذور حتى تصير أشجاراً.
    ​لو أرادك الله صلباً لخلقك صخرة، لكنه خلقك من طين لتشعر، وتتعلم، وتسامح، وتحب. فلا تخجل من لينك، ولا تعتذر عن رحمتك، فربما كان هذا اللين الذي تحاول إخفاءه عن العالم… هو أكثر ما يحبه الله فيك.

    قهوتي أحب شربها
    باردة