بقلم / لواء شرطة (م) : د . إدريس عبدالله ليمان
لقد عاش أهل السودان خلال سنوات الحرب حياةً ضائعة وعيشةً تعيسة عندما تآمر عليهم علوج آل نهيان وعبيدهم من آل دقلو وحاولوا السيطرة عليهم بآلتهم الإعلامية الضخمة وهزيمتهم نفسياً بعد إذلالهم وإخافتهم فصنعوا من المليشيا بُعبُعاً مُرعباً أرغم مئات الآلاف من الإلتجاء شمالاً *جهة القلب* وهبطوا مِصرَ المؤمَّنة بأهل الله هرباً من آلة القتل والرُعب بعد الخُذلان من الأسرة الدولية التى وقفت متفرجة على جرائمها حتى ظننا أنها تُساندها وتُؤيدها .. وبعد كل تلك المخازى التى رأيناها وتلك الدماء التى سالت تأتينا الوسائط من أرض التاكا بنبأٍ عظيم بأنَّ قُطبى الإدارة الأهلية بشرقنا الحبيب فى حالة تنافر وتدابر وشقاق ، وأنَّ بعضهم صنع وهماً وعِجلاً جسداً له خوار إسمه الحُدود الإدارية بين القبائل وكأنه شئٌّ يستحق الكفاح المسلح رغم أن الأمر لايستحق كل تلك الضجة الكبرى وكل ذلك العناء .. ولايعدوا عن كونه محاربةً لطواحين الهواء فجميع أهل الشرق ظلوا يتعايشون في سلامٍ ووئام ومكارم الأخلاق لقرونٍ خلت .. فمناقشة القضايا العادلة تكون بالتراضى بينهم لا بالتراشق ، مناقشة القضايا الخلافيَّة لا تكفيها عدالة المطلب إن كانت هنالك ثمة وجاهة للمطلوب بل تحتاج إلى خطاب مسؤول من سادة القوم وحكماءهم ووجهائهم ، ووعىٍ يصونها من التوظيف الخاطئ والتشويه المقصود حتى لا تُصبح الخلافات العادية وقوداً للفرز الإجتماعى ومورداً دائماً للخصومات المُدَمِّرة ، وحتى لا يصبح زعماءهم أيضاً جِسراً لعبور العابثين بوحدة مكوناتهم وتماسكهم أو ضرب نسيجهم المجتمعى وإلحاق الأذى به .. فإن عجز الكبار وسادة القوم عن إدارة الخلافات المصنوعة والمُتَوهَمة ولم يُفلِحوا فى خِيَاطة جراحهم التى أحدثوها بأيديهم فإنهم بذلك الصنيع وتلك الأوهام يفتحون أبواب الشرق ونوافذه لرياح الفوضى التى لن يستطيعوا التحكم بإتجاهاتها بل ولن تستطيع الدولة بكل آلياتها أن تفعل .. فالتأريخ يُخبرنا دوماً بأنه حين يُصغي الناس لصوت الجهل ينهار جدار الوعى ويَختَّل ميزان الإستقامة وحينها لاقَدَّر الله سيتحول الشرق إلى حواضن للخوف والتوجس ، وستُعيد القَبَلِيَّة المقيتة تشكيل إنسانه المسالم وفق إنتهازيتها وحاجتها الآنية ، وستُدير شأنها بتدبيرٍ من الشيطان ، وسَتَرى الآخر بعين السُخط الرمداء لا بعقل الرُشد .. كما أنّ حقائق التأريخ تُخبرنا أيضاً أن من يعيش داخل قوقعة الأوهام فإنه يفقد حساسيته الأخلاقية تجاه إخوته في الدم وفى النسب وفي الرضاعة ، ويعتاد إجترار ذلك التَّوهم كما حدث بدارفور من قبل حيثُ تَوَلَّدَت شخصيات ترى الرحمة ضعفاً والبطش قوة ..!!
فما أحوج شرقنا الحبيب إلى شجاعة الإنصاف لحمايته من خطاب الكراهية والتحريض الذى يُفسد الجُغرافيا ويُشوه التأريخ ويدمر الإنسان أينما كان ، وكذلك حماية أجياله القادمة وحِفظهم فى أمنهم المجتمعى حتى لا يرثوا ذاكرةً مشتعلة بالخلافات والإستعداد للإقتتال ، وثوباً مجتمعياً بالياً ملئٌّ بالثقوب وأصحابه بالندوب .. وما أحوجه لأن يمسك كبار القوم ألسنتهم إلاَّ للإصلاح ، فقد أضحت للكلمة فى عالم اليوم أبعاداً أعمق تأثيراً فى زمن المنصَّات العابرة للحدود ، ولم تَعُد المجتمعات تُخترق وتُدَّمر بالسلاح والسِنَان وحدهما بل باللسان أيضاً ، فآثار الكلمة َأيَّاً كان صاحبها *كَلَّاً أو عَدلَاً* تملأ الفضاء الرقمي المفتوح ويتلقفها العامة ويتفاعلون معها وحينها يرتد صداها وينداح وتصبح أخطر من الأزمة المُتَوَّهمة نفسها لأن هنالك من يُجيد الإستثمار فى آفة اللسان وفى الفوضى والخراب .. وظنىِّ بحكماء الشرق أنهم يدركون بأن المجتمعات المتسامحة لا تُبنى إلا بوعىٍّ مشترك يُنتِج أماناً وإستقراراً وتنميةً ورخاءاً .. أمَّا الدولة فمهمتها عظيمة ومسؤليتها جسيمة *ولا أزيد ..!!*
حفظ الله شرقنا الحبيب وحفظ بلادنا وأهلها من كل سوء .











إرسال تعليق