بقلم/ السفير الضادق المقلي
(ليس مهماً من يسيطر على القصر الجمهوري في العاصمة الخرطوم اليوم، بقدر ما هو مهم من يصدق أن السيطرة عليه تعني نهاية الحرب)..هذا، باختصار، هو جوهر التقرير الذي نشرته منصة “أفريكا إنتليجنس” مطلع الشهر الجاري، والذي تحدث عن أن السفارات الأوروبية لا تزال ترفض العودة إلى الخرطوم، رغم مرور أكثر من عام على استعادة الجيش السيطرة على العاصمة، ورغم الجهود الحثيثة التي تبذلها السلطة القائمة لإقناع البعثات الدبلوماسية المعتمدة لديها بالعودة.
فالسفارات، ووفقاً لبروتوكولات التأمين الدولية المتعارف عليها، لا تستطيع المخاطرة بأن يكون مقرها هدفاً لمسيّرة مجهولة المصدر، أو أن تتعرض قوافلها لهجوم أثناء تنقلها في شوارع لا تزال غير مؤمنة تأميناً كاملاً.
تقرير خطير جدا.. حقيقة هذا ما ظللت اردده في مقالاتي، أن لا حسما عسكريا للحرب بعد دخول آلية لم تكن جزءا من آليات الحروب الداخلية السابقة…أى المسيرات.. التي كما ظللت أكرر بالدارجي..(( .الدعم٧ السريع خرج من الخرطوم و الجزيره بحلة خوجلي و عاد اليها بحلة حمد ))
. و سير المعارك منذ أخراج الدعم السريع تؤكد هذه السردية و مصداقية تقرير ( أفريكا إنتلجنس)..
و قد اتضح هذا الطرح حتي في اليوم الذي كان يحتفل فيه الجيش و سدنته بمناسبة تحرير الخرطوم..حيث قصف الدعم السريع مقر الاحتفال بمسيرة قتلت عشرة من الإعلاميين منسوبي التلفزيون القومي و التوجيه المعنوي.
ثم توالت من بعد ذلك عمليات القصف من قبل الدعم السريع في الخرطوم بصورة مستمرة ادت إلي شلل في إمدادات الكهرباء ما برحت ولاية الخرطوم تعاني منه اليوم.. و قد طالت المسيرات عدة مرات سهل البطانة مسقط رأس كيكل.. راح ضحيتها عدد من اسرة كيكل نفسه..
و قد ظل بكل آسف اعلاميون و خبراء استراتيجيون يدقون طبول الحرب و يراهنون علي الحسم العسكري..
و قد طفقوا يبيعون الوهم للشعب السوداني بهذه البضاعة الكاسدة… و لعل أكثر المروجين لهذا الوهم من الإعلاميين خالد التجاني و عثمان ميرغني و حسن أسماعيل و ضياء الدين و مزمل أبو القاسم.. و علي رأس الخبراء الاستراتيجيون عامر حسن و اللواء أمين مجذوب و جمال الشهيد و اللواء عبد الهادي عبد الباسط… الذي صرح باستمرار الحرب حتى و لو أحرقت كل رمال السودان.. و الطاهر ساتي و غيره ممن لهم قراءة مغلوطة و من وحي خيالهم لإعلان. جدة،،، ،و حسن إسماعيل الذي يرفل في رغد من العيش في تركيا…لا يرف له جفن و لا يرق له قلب ،،،و لا يهمه مواطن إقتات من علف الحيوان و صفق الأشجار و جلود البقر في دارفور.
و لا انسان حتى في الخرطوم لم يجد قرص بندول و لا محلولا وريديا يقيه شر حمي الضنك..قرص بندول كان يباع في بقالات القرى!!!؟(( حتي و لو استمرت ألف عام أو مائة عام .))
و آخر تقليعات من بصق على تاريخ لعله نضالي ،،خلده هتاف ( الطرحة) ،،،،،،أن (( فليعلم هؤلاء ان. باب التفاوض أغلق بالضبة و المفتاح و ان كلمة تفاوض أضحت مزعجة لعامة الناس)).
و لا ادري عن أي عامة للناس يتحدث صحاف بورتسودان.!!!!!!؟ هل هو شعب السودان الذي تفرقت به السبل و مواطنين تركوا أبناءهم و ديارهم و هم ملايين حذر الموت.. شعب ثلثاه يعانون من التشريد و الفاقة و المرض و شبح المجاعة ،،،و سبعة ملايين من اطفاله خارج مظلة التعليم.. وفق التقارير الأممية…
و وطن لم تنزح فقط البعثات الدبلوماسية خارج عاصمته ،،،،كما يخلص تقرير افريكا انتلجنس ،،،و انما نزحت كافة مؤسساته السيادية و التنفيذيه و العدلية و حتى التعليمية خارج البلاد .. لم ينزح فقط مواطنوه بل نزح حتى مبدعوه و مفكروه و رياضيوه و ساسته. نزحت حتى مدافنه و سرادق عزائه و صالات افراحه . نزحت خارج الوطن حتى كوفتي و شاي الغزالاتين و طحنية الوطنية.
يهرف هؤلاء بسردية الحل العسكري،،و أستطلاع للراي صدر امس بين شريحة من المواطنين ممن لهم حظوة في وسائل التواصل الاجتماعي…..٦٥ في المائة منهم مع وقف الحرب. . ناهيك عن الملايين ممن كان قدرهم العيش علي هامش التاريخ.. و قد مضى عام على (( ازبوع ازبوعين)) ثم عدل عنه الجنرال ياسر العطا بمائة عام!!!! )) . عامر حسن صرح يوم تحرير الخرطوم أن الحرب أنتقلت إلى فضاء كردفان و دارفور!! و أضحت الخرطوم آمنة.
عثمان ميرغني أول من باع هذا الوهم لشعب جريح ظل و ما برح يدفع فاتورة هذه الحرب علي مدار الساعة لثلاث سنوات و نيف.. قال ( بعد تحرير الخرطوم سوف تكون دارفور نزهة بالنسبة للجيش)) و عام مضي و الدعم السريع يتمدد في دارفور و كردفان و النيل الأزرق و يواصل قصفه حتي لولايات كانت تعد آمنة مثل البحر الأحمر و كسلا و نهر النيل و الشمالية.. الأمر الذي أدي إلي شلل منتظم في الإمداد الكهربائي.. و هي لايات لم تشهد من قبل تمردا…
و قد انتظمت الاحتجاجات في ولاية الشمالية، أكثر الولايات معاناة من قطوعات الكهرباء… و هي… لسخرية القدر.. على مرمي حجر من سد مروي.. قطوعات أدت إلي فشل المواسم الزراعية و تقلص الإنتاج في هذه الولايات..
فهل يعتبر هؤلاء الذين يسوقون لبضاعة هلامية الحسم العسكري من تقرير أفريكا إنتلجنس،،،،ناهيك عن موقف كافة المجتمع الدولي و الإقليمي الذي أجمع علي ضرورة الحل السلمي للنزاع..
و لو تكبد هؤلاء مشقة تصفح التاريخ القريب جداً.. لادركوا ان لا حربا داخلية في السودان حسمت عسكريا… حتى الجيش الذي قاتل معه الدعم السريع حليف الأمس ضد حركات التمرد حليف اليوم.. فجيوب التمرد إلي سقوط الانقاذ ،،تبقت في جنوب كردفان و جبال النوبة و النيل الأزرق!!!!
تقرير افريكا انتلجنس جاءا معضددا لسردية تعثر ان لم تكن استحالة الحسم العسكري للحرب.. و أن التمدد الجغرافي لطرفي الحرب ليس مؤشرا لنهايتها .
فهلا التقط القفاز فرقاء الازمة …ساسة و عسكر،،و فكروا خارج الصندوق و (( ختوا الكورة واطه)) لإنقاذ ما تبقى في هذا الوطن الذي يكاد يضيغ من بين أيدي الجميع. و اجتمع الساسة علي كلمة سواء بينهم.
فإن ما تم في أديس أبابا أمس من توافق منقوص.. أخشي أن يظل حبرا علي ورق. و أنا اسمع ترديد كلمة ( إغراق العملية السياسية) التي اعتقد أنها هي العبارة السحرية التي كانت ضربة البداية لما وصلنا إليه اليوم..
فالإقصاء في رأيي ينبغي أن يتأتي عبر آليتين وطنيتين .. العدالة الجنائية و الانتقالية و صندوق الاقتراع.. و ليس بضغوط أجنبية.
.











إرسال تعليق