بقلم / محيي الدين قمر الدين
لم يكن أخطر ما واجهته الصحافة السودانية في عهد النظام السابق هو الرقابة، أو المصادرة، أو حتى التضييق الأمني المباشر؛ بل كان الأخطر هو ذلك المسار الخفي الذي استهدف تفريغها من مضمونها، وتحويلها من “سلطة رقابية” إلى أداة طيّعة في يد السلطة.
فالأنظمة التي لاتومن بالراي الاخر لا تكتفي بإسكات الأصوات، بل تسعى إلى إعادة تشكيلها. وهذا ما حدث تحديداً؛ إذ جرى العمل على هندسة مشهد إعلامي جديد، يبدو في ظاهره مهنياً، لكنه في جوهره موجّه ومُسيطر عليه بالكامل. لقد تم خلق أذرع إعلامية موازية، أطلقتُ عليها عبارة “مساجد ضِرار”، كانت تمد الصحف بأخبار كاذبة وملفقة، لا تتوفر فيها أدنى معايير نشر الخبر، وتسببت في تدمير القيم الصحفية الموروثة عن الآباء. وغالباً ما تُنسب هذه الأخبار لمصادر مجهولة يستحيل الوصول إليها، فهي محمّلة برسائل سياسية محددة.
وقد تورط بعض الزملاء في العمل مع تلك الأذرع والمنصات؛ أغلبهم يتمتع بخبرات واسعة وتلقى تدريبات على يد صحفيين مهنيين، لكن أغراهم “ذهب المُعز”: المرتب الكبير، المكتب الوثير، التأمين الصحي، والتأمين الاجتماعي، فركلوا القيم الصحفية بـ “الجزم الإيطالية” التي صُرفت لهم. هناك طريقة أكثر وضوحاً أصابت الصحافة في مقتل، وهي “الرقابة الأمنية القبلية”. لم تكن الرقابة تُمارس فقط عبر التعليمات أو الخطوط الحمراء غير المعلنة، بل عبر حضور فعلي داخل غرف التحرير؛ إذ كان ضباط من جهاز الأمن، يتبعون لما يُعرف بـ “شعبة الصحافة”، يتولون عملياً دور رئيس التحرير، فيراجعون المواد قبل النشر، ويحذفون ما لا يروق لهم، ويمنعون نشر أخبار أو مقالات رأي كاملة. ولم تتوقف هذه الرقابة عند حدود السياسة أو المقالات التحليلية، بل امتدت حتى إلى رسومات الكاريكاتير، ذلك الفن الذي يُفترض أن يكون مساحة للتعبير الرمزي والنقد اللاذع. ومع ذلك، لم يكن الرقيب يملك في الغالب أي مؤهل مهني أو معرفة حقيقية بأصول العمل الصحفي؛ فمهمته لم تكن التحرير، بل المنع.كان حضوره قائماً على الوعيد أكثر من أي شيء آخر: تهديد مبطن -أو صريح أحياناً- لكل من يحاول تجاوز الخطوط المرسومة. وفي أحيان كثيرة، كانت تُمنع أخبار ذات أهمية عامة لا لشيء إلا لأنها لا تخدم الرواية الرسمية، بينما يُسمح بمرور مواد أخرى أقل أهمية، أو أكثر انسجاماً مع توجهات السلطة، خاصة حين تصدر من صحف “مغضوب عليها” يُراد ترويضها أو تأديبها.في ظل هذا الواقع، لم تعد الصحافة تنقل الحقيقة، بل خضعت لعملية فرز قسري تُحدد فيها ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُحجب. ومع تكرار هذا النمط، تآكلت روح المبادرة داخل المؤسسات الصحفية، وحلّت محلها رقابة ذاتية أشد قسوة من الرقابة المفروضة. إن أخطر ما في هذه التجربة ليس فقط ما مُنع من النشر، بل ما لم يُكتب أصلاً خوفاً من المنع. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يتحول الصحفي من باحث عن الحقيقة إلى متجنب لها.لقد أثبتت التجربة أن تدمير الصحافة لا يتم دائماً عبر إغلاقها، بل عبر السيطرة على ما يُنشر فيها، سطراً سطراً، وفكرة فكرة. وحين يحدث ذلك، لا تعود الصحافة سلطة رابعة، بل تصبح ظلاً باهتاً لسلطة واحدة. في النهاية، لم يكن ما جرى مجرد تقييد لحرية الصحافة، بل كان عملية اغتيال بطيء للحقيقة نفسها. فحين يُسمح بنشر ما تريده السلطة فقط، ويُمنع ما عداه، لا يعود السؤال: “ماذا نعرف؟” بل “ماذا سُمح لنا أن نعرف؟”.إن هذه الممارسات لا تنتهي بسقوط الأنظمة، بل تترك وراءها صحافة خائفة، وجمهوراً شاكاً، وذاكرة مثقوبة لا تثق في ما يُكتب ولا في من يكتبه. وحين تصل الصحافة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تعود ضحية فقط… بل تتحول، بصمت، إلى شريك في الجريمة. وهنا لا يكون الخراب في الصفحات… بل في وعي أمة كاملة.











إرسال تعليق