خاص ب(5Ws-news)
إعداد || أسرة الراحلة الأستاذة حامدة
شارك في التوثيق|| د. محمد يوسف دفع الله
الفقيدة الاستاذة حامدة المبارك.. سيرة مربية استثنائية.. ثلاثون عاماً من الغياب وحضور لا ينطفئ
“تبدو سيرة الأستاذة حامدة المبارك فضل الله وكأنها حكاية امرأة وهبت عمرها للناس، ثم رحلت باكراً تاركة خلفها فراغاً لم تملأه السنوات، وذكريات لا تزال تنبض بالحياة في مصنع سكر الجنيد وقرية العيكورة وكل مكان مرّت به”.
لذا فإن الحقيقة تؤكد بأن ثمة أشخاص لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، بل يظلون مقيمين في الذاكرة كما لو أنهم غادروا المكان قبل لحظات فقط. ومن هؤلاء الأستاذة حامدة المبارك فضل الله، تلك المرأة التي جمعت بين نجاحين قلّ أن يجتمعا في إنسان واحد؛ نجاح المربية والمعلمة والقائدة، ونجاح الأم التي صنعت أسرة تشبهها في الأخلاق والسمت والاحترام.
ولدت الأستاذة حامدة عام 1948 بقرية العيكورة، وهناك بدأت الحكاية. تنقلت بين مدارس المسلمية وبربر، ثم التحقت بمعهد المعلمات بأم درمان وتخرجت عام 1967، لتبدأ رحلة طويلة مع التعليم، رحلة لم تكن مجرد وظيفة تؤدى في ساعات العمل، بل رسالة حملتها في قلبها أينما ذهبت. عملت في عدد من قرى الجزيرة، ثم انتقلت مع زوجها الفقيد محمد مصطفى إلى مصنع سكر الجنيد، وهناك بدأت أجمل فصول سيرتها.
في مدرسة الجنيد المتوسطة للبنات لم تكن مجرد وكيلة مدرسة أو مديرة إدارية، بل كانت أماً لعشرات الطالبات، تتابع تفاصيلهن الصغيرة قبل الكبيرة، وتزرع فيهن الانضباط والثقة واحترام النفس. كانت التلاميذات يخشن هيبتها ويحترمنها في الوقت نفسه، وذلك مزيج لا يصنعه إلا المربون الكبار.
تتذكرها تلميذتها مزاهر رمضان قائلة إن مجرد رؤيتها في ثوبها الأبيض وهي تتحرك بين الفصول كان يمنح المدرسة كلها شعوراً بالنظام والطمأنينة. وتضيف أن الأستاذة حامدة لم تكن قدوة داخل المدرسة فحسب، بل كانت نموذجاً للأم داخل منزلها أيضاً.
واضافت:”كانت الطالبات يزرن ابنتها لمياء في البيت، فيجدن دفئاً إنسانياً نادراً. بيتاً عامراً بالمودة والكرم والبساطة. وكانت الأستاذة حامدة تستقبل الجميع بابتسامتها الهادئة ووجهها المشرق، حتى إن بعض الصغيرات كن ينظرن إليها بإعجاب خفي ويتمنين لو يصبحن مثلها حينما يكبرن”.
ولعل أصعب ما في حياة المرأة أن تنجح في عملها دون أن تخسر أسرتها، أو تنجح في بيتها دون أن تتراجع مهنتها. لكن الأستاذة حامدة نجحت في المعادلتين معاً. فمهنياً كانت تقود واحدة من أكبر المدارس في المنطقة، مدرسة تضم تسعة فصول كاملة، ما يعادل ثلاث مدارس قائمة بذاتها. وكانت تدير طاقماً من المعلمات المتميزات وصاحبات الشخصيات القوية، مثل الأستاذة مدينة مطر، والأستاذة فايزة عفيفي، والأستاذة آمنة عثمان، والأستاذة طيبة الجاك وغيرهن.
إدارة مثل هذا الصرح لم تكن أمراً سهلاً، لكنها كانت تملك من الحكمة والحزم والقدرة على احتواء الناس ما جعل الجميع يحترمها ويثق فيها.
أما داخل بيتها فقد كانت تصنع إرثاً أعظم من أي منصب أو شهادة. كانت تربي أبناءها وبناتها على الصدق والاحترام وحسن الخلق، حتى كبروا وهم يحملون ذات القيم التي غرستها في نفوسهم. ثم انتقلت تلك القيم إلى أحفادها، فصار الخير الذي زرعته يمتد من جيل إلى جيل. ولم يكن ذلك غريباً، فقد وجدت في زوجها محمد مصطفى شريكاً يشبهها. كان رجلاً نبيلاً، مثقفاً، راقياً في تعامله، واسع الاحترام بين الناس. فاجتمعت أخلاقهما لتصنع أسرة أصبحت نموذجاً يحتذى به.
ثم جاءت سنوات الغربة والعمل، فانتدبت إلى سلطنة عمان، وعادت بعدها لتواصل رسالتها التعليمية، وأسست مدرسة ود السيد المتوسطة للبنات، قبل أن تعود مرة أخرى إلى الجنيد لتواصل العطاء حتى آخر أيامها. لكن القدر كان يخبئ فاجعة ما زال أهل الجنيد يذكرونها بحزن حتى اليوم. في حادث أليم فقدت أسرة مصنع سكر الجنيد الأستاذة حامدة ضمن عدد من الفقداء.
فرحل معها جزء من ذاكرة المكان. توقفت خطواتها التي كانت تملأ أروقة المدارس، وغاب صوتها الذي اعتاد الناس سماعه، لكن أثرها لم يغب.
مرت ثلاثون عاماً ، وما زال اسمها يتردد في المجالس. وما زالت تلميذاتها يتحدثن عنها بمحبة، وما زالت صورها حاضرة في وجدان من عرفوها.
هناك أناس يرحلون فينساهم الزمن، وهناك أناس يتحولون إلى جزء من ذاكرة المدن والقرى. والأستاذة حامدة كانت من الصنف الثاني. رحلت بجسدها، لكنها بقيت في دعوات تلميذات أصبحن أمهات تعلمن على يديها، وفي أبناء وبنات حملوا أخلاقها إلى الحياة، وفي أحفاد ورثوا عنها أجمل ما يمكن أن يورثه إنسان: القيم النبيلة.
رحم الله الأستاذة حامدة المبارك فضل الله، ورحم زوجها محمد مصطفى، وجزاهما عن الناس خير الجزاء، فما تركاه من أثر في النفوس أكبر من أن تمحوه السنوات، وأبقى من أن تطويه الأيام.






إرسال تعليق