نبض للوطن|| أحمد يوسف التاي
(1)
عمليًا ربما أنتهت الحرب في السودان ، أو كادت، وهي تلملم أطراف “الميدان” التقليدي وتكتفِ بمناوشات المسيرات لتهيء البلاد وتعيدها إلى مرحلة جديدة من صراع البندقية إلى صراع السياسة الذي هو على رأس كل (كرسي) مثل الموت على رأس كل شخص فلا مفر منه ولامناص..ومثلما أن هناك حياة لابد أن يكون هناك موت، ومثلما أن هناك “كرسي” فلابد من صراع سياسي، ألم أقل أن الصراع على الكرسي مثل الموت لامفر منه، وأينما تكونوا يدركم ولو كنتم في بروج مشيدة.. ولذلك يتراءى لي أن المسرح يُهيأ الآن لمُلك عضود لا ديمقراطية فيه ولا انتخابات آتية، ولئِن أتت فإن الأوضاع الاستثنائية الحالية ستحولها إلى صورية، و(أن الظروف الأمنية اقتضت ذلك)، هكذا سيقولون لنا شئنا أم أبينا..والتدخل الأمريكي الذي تفرش له “صمود” البساط الأحمر، سيزيد الأمور تعقيدًا ولن يجدي نفعًا، وإن لم يضع حمدوك خطوطًا واضحة ومستقلة ومقنعه بينه وبين “الكرزايات” الأمريكية التي استولدتها أمريكا، فإنه سيلاقي مصير ذات “الكرزايات” لكن هناك مساحة واسعة أمام حمدوك بإمكانه التقاط قفازها بحكمة ووطنية ومسؤولية تعلي من شأن مصلحة الدولة العليا بالعمل على إنهاء الحرب وليس العمل من اجل السلطة وصراعاتها..
(2)
أخشى ما أخشاه أن نعود من صراع البندقية الى صراع السياسة والكرسي، على نحو أكثر وحشية، وغبنا وكُرها وتخوينًا، القوي يقهر ويقتل ويستبد، والضعيف يجعل من نفسه جسرًا لتدخلات الخارج تحت خديعة الاستعانة بالمجتمع الدولي المخادع المرائي..
النخبة السياسية والعسكرية في السودان ليست استثناءً وهي ليست محصنة من شهوة السلطة المجنونة التي تجعل الإبن يقتل أباه، والأب ينهي حياة إبنه من أجل السلطة، تلك الساحرة الفاتنة المغوية المغرية التي تُنسي الشخص أباه وأخاه وصديقه وأهله وعشيرته في لحظة فارقة يكون فيها الولاء لسلطة ظالمة اقوى من رباط الدم والدين، ولا عزاء للإختلاف الذي ينبغي ألا يفسد للود قضية..الاختلاف الذي هو زينة المنابر، والتافس السلطوي، والضِدُّ يُظهر حسنه الضدُّ..
(3)
إن أخطر لحظة في حياة الإنسان، ليست حين يصل الشخص السلطة، وإنما حين يفقد القدرة على الخروج من قالبها، قالبها الظالم، الفاسد الذي يطلب من الشخص أن يقتل ضميره ورحمته ومبادئه وقيمه العليا من نبل وصدق وأمانة ورحمة.. فالسلطة التي لا يراقبها قانون، ولا يردعها ضمير، ولا تحدّها مؤسسات، تستطيع أن تحول الفضيلة إلى تهمة، والرحمة إلى ضعف، والنصيحة إلى خيانة، والوفاء للمبدأ إلى تمرد.
لقد صدقوا حين قالوا: إن الملك عقيم، لكنه لا يكون عقيماً لأنه يقتل الأبناء والإخوة فحسب؛ بل لأنه، إذا استبدّ بصاحبه، قد يقتل في الإنسان شيئاً أعمق: ضميره، ومبادئه، ورحمته، وصدقه، ثم يطلب منه بعد ذلك أن يسمي ما بقي منه (وفاءً).
(4)
لعلّ من أكثر العبارات التاريخية قسوةً وصدقاً قول الخليفة الأموي هارون الرشيد لابنه المامون: ( يابني إنَّ الملكَ عقيم، ولئن نازعتني الملك لأخذتُ الذي فيه عينيك )- أي لقطعتُ رأسك- فالسلطة مهما صغُرت أو كبُرت لا تعرف في لحظات الصراع و”الشهوة” أباً والدًا ولا أخًا شقيقًا ولا صديقًا ناصحًا، ولا تسمح لمن يمسك بها أن يجعل روابط الدم أو الصداقة أو المبادئ أقوى من مقتضيات بقائها.
والتاريخ مليء بالنماذج التي تؤكد أن للسلطة سحراً خاصاً، فهي لا تغيّر المواقع فقط، بل تغيّر الإنسان نفسه. يدخل إليها بعضهم صاحب مبدأ، فيخرج منها أسيراً لمقتضياتها؛ يدخل رحيماً، فيتعلم القسوة؛ يدخل متواضعاً، فيستحسن الهيبة والبطش؛ ويلج ردهاتها فقيرًا فيثري ثراءً فاحشًا، ويدخل مؤمناً بأن الناس غاية برعايتهم وحمايتهم، ثم يصبح مقتنعاً بأنهم مجرد أدوات لبقاء الحاكم.
يكفي أن نتأمل مأساة حكاما قتلوا أبناءهم عند صراعهم على العرش، مثل صراع السلالات الملكية في أوروبا الذين قتلوا اولادهم، وفي التاريخ العثماني، كان صراع الأمراء على العرش قد بلغ حد قتل الإخوة، حتى أصبح التخلص من المنافسين داخل الأسرة جزءاً من منطق الدولة في بعض المراحل.
وتبدو المشكلة أكثر وضوحا حين يطلب (الكرسي) من الإنسان أن يقتل ما بداخله قبل أن يقتل خصومه، ويصبح صاحب سلطة مطلقة..
وهنا تكمن خطورة السلطة المطلقة إذ أنها لا تحتاج دائماً إلى تغيير الناس بالقوة؛ يكفي أن تغيّر تعريفهم للصواب والخطأ.
(5)
وفي التاريخ العربي والإسلامي أيضاً نماذج مؤلمة لصراع السلطة مع الأقربين. فقد شهدت عصور الخلافة والملك صراعات بين أبناء البيت الواحد، وانقلب إخوة على إخوة، وأبناء على آباء، ووزراء على ملوك، حين أصبح العرش غاية تتقدم على كل رابطة.
لكن أخطر ما في «عقم الملك» ليس أن الحاكم قد يضحي بأقاربه، بل أن السلطة قد تجعل (الآخرين) يضحون بأقاربهم من أجل الحاكم، فيصير الآخرون ملوكا أكثر من الملك…وتبلغ السلطة ذروة سحرها؛ إذ لا تعود بحاجة إلى أن تأمر كل شخص مباشرة، وإنما تنجح في إعادة تشكيل وعيه بحيث يصبح دفاعه عن السلطة المطلقة الظالمة وفسادها دفاعاً عن نفسه، ويصبح خصوم الحاكم الظالم الفاسد خصومًا له، حتى لو كانوا أخوته أو اصدقائه أو ابنائه، بحجة أن نقد ذوي السلطة يضعف الدولة ويكشف عورتها ويدعم الخصوم والاعداء..بالله عليكم، أي دولة هذه التي تتقوى بالفساد والظلم وتضعف بنقدهما..
أعود وأقول أننا مقبلون على مرحلة تنازع حاد على السلطة، وصراعات عقيمة على الكراسي، وأيامًا وسترون عشاق الكراسي يتهافتون كالفراشات على نار (الهوى) ، أو كعاشقٍ شبقٍ لحسناء يريد ها بأي طريقة، وبأي ثمن، يموت من يموت من شعبهم ويعاني من يعاني المهم ان يصلوا الى المبتغى وليس المهم كم اعداد الضحايا، وهل سُعرت هذه الحرب إلا لهذا؟!! .. النخب السودانية ليست استثناء فيمن استدعينا من النماذج التأريخية التي سبقت الاشارة اليها..(نحنا عارفين بس ما يجينا واحد يقول لينا أنا قتلت وتآمرت وحفرت من أجل عيونكم ومن اجل الوطن)..بل من أجل عيونها هي، تلك الفاتنة الساحرة التي تتحول إلى ماجنة وراقصة خليعة عندما تتجرد من الأخلاق…اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق