نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
لم أبغض صنفًا من البشر، أشدَّ من مسؤول حرامي ، يسرق المال العام ويستأثر بموارد الدولة، ويسيء استخدام السلطة، إلا عدوًا يحاربُ وطني ويقتل شعب بلادي ويسفك الدماء، والصنفان عندي سواء، يلتقيان في الأهداف، والنتائج ويختلفان في الوسائل فقط..
أما الأهداف، فكلاهما يسعى لبناء مجد خاص (ثروة وسلطة) من أشلاء القتلى الذين حصدتهم البندقية أو من جماجم الضحايا الذين قضوا نحبهم بسبب المرض والجوع والفقر المدقع، لجهة أن اللص الفاخر استأثر بكل شيء، ولم يترك لهم شيئًا.
وأما النتائج فهي تدمير البنيات التحتية للدولة ، وتخريب الإقتصاد ونهب الثروات وتعطيل التنمية والخدمات، فما يفعله كبار اللصوص في هذا الجانب لايقل بشاعة عما يفعله العدو المحارب في الميدان، يتساوون في القتل والتدمير إلا أن لكل واحد منهما سلاحه القاتل، ووسيلة تحقيق هدفه..
العدو الأول “يمنحك” الموت البطيء، يقتلك حين يسطو على كل أسباب البقاء، وحين يُثقل عليك الحياة، ويثخن سلاح الغلاء ويحيل الحياة جحيمًا يموت تحت حسيسه الفقراء الذين لايجدون ثمن العلاج ، يقتلك حين يسرق حق الدواء المنقذ للحياة، والعلاج المجاني في الطواريء والحوادث، والخدمات الصحية، وخدمات المياه الصالحة النقية، ويسرق منك حتى الإغاثة..
والثاني يمنحك الموت الرحيم فينهي حياتك برصاصة هي عنده أغلى بكثير منك ومن كل عائلتك..وكلاهما يفعل ذلك من أجل أن يبني مجدًا لنفسه، فالهدف واحد والنتيجة واحدة، ولا إختلاف إلا في الوسائل فقط، القتل واحد والسلاح مختلف، والرحمة منزوعة من كلاهما، “الجنجودي الربّاطي”، و”اللص الفاخر”..
(2)
ورغم ما قيل قديمًا عدوء ظاهر خير من صديق مستخف في ثوب الصديق، إلا أن العدو الذي يقتلني بالسلاح لايختلف عندي عن “السوس” الذي ينخر عودي من الداخل فيحيله إلى هشيم تذروه الرياح حتى تسقط..
فليس هناك أخطر من شبكة لصوص محصنة بالقانون، ومحمية بالسلطة، عصية على المحاسبة، تترك لنفسها الحبل على الغارب لبتلع أموال الدعم الإجتماعي والمساعدات الإنسانية، والإغاثات والخدمات الصحية المخفضة، والدواء المجاني، وميزانيات التعليم الحكومي، الذي كان مجانا وفي متناول الأيدي الطويلة والقصيرة، فليس هناك أخطر منها إلا العدو الذي يحصد ارواح الأبرياء بفوهة بندقيته الغادرة، ألم أقل أنهما سواء بسواء..
(3)
عندما قال الرئيس المخلوع عمر البشير يومًا مستنكرًا الحديث عن استشراء الفساد بين المسؤولين في عهده، حين ما قال: (لانقبل الحديث عن الفساد، ومن كان لديه دليل واحد على فساد مشؤول فليأتينا به)..عندما قال ذلك جاءه الرد سريعًا من الشيخ إبراهيم السنوسي قبل ان يصبح الأخير لاحقا مساعدا للبشير، حيث قال: ( دليلنا على الفساد تلك العمارات والمباني الشاهقة والسيارات الفارهة لموظفين ومسؤولين كانوا فقراء قبل التوظيف، وأضاف وقتها: (نحن الإسلاميون نعرف بعضنا جيدًا، فقد كانوا قبل التوظيف فقراء ونحن نعرفهم)!!..
إن معرفة مصدر ثراء الموظفين في الدولة في تقديري ليس أمر صعبًا إذا صدقت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية لمحاسبتهم بمبدأ من أين لك هذا..
في رأيِّ إن إثبات الفساد ليس أمرًا مستعصيًا، لكن السؤال الجوهري: من يحاسب من؟ ومن هو المؤهل لمحاسبة الآخرين الذي تتوفر لديه القُدرة والرغبة..فمن كان بلا خطيئة فليرمها بحجر، ومن كان بيته من زجاج فلن يجرو على رمي الآخرين بالحجارة.. أما الإثبات فما أسهله إذا صح المقصد، وصدقت النية.
(4)
إذا وجدتَ موظفًا يهيمن على مقابض المال ويتحكم في إيراداته ومنصرفاته، وحده لما يناهز خمسة عشر عامًا ثابت في موقعه لايتزحزح عن منصبه ولايتغير الى موقع آخر، فاعلم أن هناك شبهة عظيمة تستدعي التحقيق والتحري حول أسباب البقاء الطويل في الموقع، والتأكد مما ينطوي عليه المكوث الطويل في وظيفة هي أصلًا تتطلب التعاقب المستمر في إدارتها، فالأصل في الوظائف هو التنقل، ومواقع حراسة المال هي الأدعى للتنقل والتغيير، لأن البقاء الطويل يغري بممارسات الفساد..
وإذا رأيت الموظف الذي لايتجاوز راتبه ربع المليون له ثلاث زوجات ويتطلع إلى الرابعة، وليس بوارث ولم يعرف له قبل الوظيفة مال ، فلك أن تتوقف عند هذه المحطة كثيرًا، وتشك كثيرًا في أمره، ولك أن تسأل: من أين له هذا؟؟!!..
وإذا رأيت الموظف في المنصب الحكومي وراتبه لايسد الرمق ينافس كبار التجار في شراء السيارات الفارهة، والمنازل الفاخرة، فتأكد أن الأمر بحاجة مُلحة إلى فحص دقيق لمصدر ثرواته، ولك كل الحق في ان تسأل من أين له هذا؟؟!!..
وإذا رأيت الموظف يخون أمانته ويسرق من المال العام ولم تسلم منه حتى الإغاثة، ثم ينكشف أمره ومع ذلك يضرب المسؤولون الأعلى منه عليه سياجًا من الصمت و”الصهينة” ولم يحاسبه احد ولايسأله احد، فاعلم أن الحال من بعضه، وحينها لايسعنا إلا النطق بالشهادتين، وانتظار الدهر لعله يأتي بحاكم عادل يحمي العدالة كما يحمي الغيور عرضه، وكما تحمي اللبوة أشبالها، وليس ذلك على الله بعزيز، فانتظروا إنا معكم منتظرون…اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق