بقلم / د.حيدر معتصم مدني
“مدير مركز الخرطوم للحوار ”
السياسة ضرورة في حياة الأمم،لكن تحويلها إلى المرجعية العليا التي تقود المجتمع كله هو بداية الاختلال الكبير.ففي التجارب المستقرة، تتحرك السياسة داخل حدود يضعها المجتمع وقيمه ومصالحه العليا.
أما في البيئات المأزومة،فتحاول السياسة أن تعيد تشكيل المجتمع نفسه وفق مصالحها وصراعاتها وأيديولوجياتها.
وهنا تبدأ الأزمة البنيوية التي عانى منها السودان طويلًا.
السياسة بطبيعتها ليست مؤهلة لقيادة المجتمع, لأن السياسة ـ في جوهرها ـ مجال:
تنافس،
و مصالح،
وتحالفات،
وتوازنات متغيرة،
وحسابات مرحلية.
بينما المجتمع يحتاج إلى:
الاستقرار،
والاستمرارية،
والتراكم،
والحد الأدنى من الثوابت المشتركة.
ولهذا فإن تحويل السياسة إلى “قائد للمجتمع” يجعل المجتمع نفسه رهينة:
للمواسم السياسية،
والاستقطاب،
والانفعالات،
والتقلبات الحزبية.
فتصبح الأمة كلها تتحرك بعقلية اللحظة لا بعقلية البناء الطويل.الفرق بين قيادة الدولة وقيادة المجتمع السياسي يمكن أن يقود حكومة… لكن لا ينبغي أن يحتكر قيادة المجتمع.
لأن المجتمع أوسع من:
الحزب،
والتحالف،
والانتخابات،
وحتى السلطة نفسها.
المجتمع يتكون من:
مصالح متشابكة،
وهويات متعددة،
وثقافات،
ومؤسسات،
وعلاقات تاريخية،
وشبكات حياة معقدة.
أما السياسة فهي مجرد وظيفة لإدارة جزء من هذه الحركة العامة.
وحين تنسى السياسة حجمها الطبيعي… تحاول ابتلاع المجال كله.
*ماذا يحدث حين تقود* *السياسة المجتمع؟*
أولًا: يتحول الاختلاف إلى صراع وجودي لأن السياسة بطبيعتها تقوم على:
الفوز والخسارة،
والأغلبية والمعارضة،
والتحالف والانقسام.
فإذا انتقلت هذه العقلية إلى المجتمع كله، أصبح الناس ينظرون لبعضهم باعتبارهم:
خصومًا دائمين، لا:
شركاء وطن.
وهنا تتآكل فكرة الدولة الجامعة.
ثانيًا: تتآكل المؤسسات المستقلة
حين تتمدد السياسة فوق المجتمع، تحاول السيطرة على:
النقابات،
والجامعات،
والإعلام،
والمنظمات،
والإدارات الأهلية،
وحتى الروابط الاجتماعية.
فتفقد هذه المؤسسات استقلالها الطبيعي، وتتحول إلى أدوات صراع.
وهنا يخسر المجتمع خطوط التوازن التي تحميه من الانهيار.
ثالثًا: تضيع الأولويات الوطنية
لأن السياسة قصيرة النفس بطبيعتها.
فهي كثيرًا ما تفكر في:
الانتخابات،
والتحالفات،
والمكاسب اللحظية،
والانتصارات الإعلامية.
بينما المجتمع يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تتعلق:
بالتعليم،
والثقافة،
والاقتصاد،
والتماسك الوطني،
وبناء الإنسان.
ولهذا حين تهيمن السياسة على المجال العام، تتراجع المشاريع الاستراتيجية لصالح المعارك اليومية.
*السودان كنموذج للأزمة:*
السودان عاش طويلًا تحت هيمنة السياسة على المجتمع.
فكل شيء تقريبًا جرى تسييسه:
القبيلة،
والنقابة،
والجامعة،
والإدارة الأهلية،
والدين،
والثقافة،
وحتى الحرب والسلام.
وبالتالي لم يعد المجتمع يملك مساحات مستقلة قادرة على إنتاج التوازن الوطني.
فكل مؤسسة تقريبًا أصبحت تُقرأ من زاوية:
“مع من تقف سياسيًا؟”
لا:
“ما وظيفتها الوطنية؟”
وهذا أحد أسباب هشاشة الدولة السودانية.
*المجتمع لا يُقاد بالشعارات*
المجتمعات لا تُبنى بالهتاف، ولا تُدار بالاستقطاب المستمر.
بل تُبنى عبر:
التراكم،
والثقة،
والاستقرار،
والمؤسسات،
والعقد الاجتماعي،
والوعي بالمصلحة العامة.
لكن السياسة حين تسيطر على المجال العام، تُغري الناس دائمًا بالحماس اللحظي بدل البناء الطويل.
فتدخل الدولة في دورات متكررة من:
التعبئة،
ثم الصدام،
ثم الانقسام،
ثم إعادة إنتاج الأزمة.
*الدولة المستقرة:حين تقود* *السياسة الدولة لا المجتمع*
وهذا فرق شديد العمق.
فالسياسة وظيفتها: إدارة الدولة وفق قواعد المجتمع.
لا: إعادة تشكيل المجتمع بالقوة الرمزية أو الأيديولوجية.
ولهذا فإن المجتمعات الناضجة تضع دائمًا:
حدودًا أخلاقية،
وثقافية،ومؤسسية، تكبح تغول السياسة على المجال الاجتماعي
حتى لا تتحول الدولة إلى رهينة للصراع الدائم.
*السودان يحتاج إلى إعادة* *التوازن*
ليس المطلوب إلغاء السياسة، ولا إضعاف الأحزاب، ولا إقصاء العمل العام.بل المطلوب: إعادة السياسة إلى حجمها الطبيعي.
أي أن تصبح:
أداة خدمة، لا:
أداة ابتلاع.
وأن يعود المجتمع:
أصلًا مرجعيًا، لا:
تابعًا للاستقطاب.
*معركة السودان القادمة* *ليست فقط سياسية*
بل هي معركة: من يحدد المرجعية العليا للدولة؟
هل:
الحزب؟
أم المجتمع؟
الأيديولوجيا؟
أم المصلحة الوطنية؟
التحالفات المؤقتة؟
أم العقد الاجتماعي الجامع؟
لأن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تغيير الحكومات، إذا ظلت السياسة تحاول قيادة المجتمع بدل خدمته.وربما يكون جوهر الأزمة السودانية كلها في هذه الجملة:
حين تحاول السياسة أن تصبح وطنًا كاملًا… تبدأ الدولة في التفكك شيئًا فشيئًا.











إرسال تعليق