بقلم/ د.سعاد فقيري
ليست كل القرارات محل رضا الجميع، لكن هناك قرارات تصنعها الضرورة الوطنية، ولا يجوز أن تخضع لضغوط المصالح أو حملات التشكيك. ومن هذا المنطلق، فإن القرارات الإصلاحية التي يقودها البروفيسور أحمد مضوي تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لاستعادة هيبة مؤسسات التعليم العالي السودانية، وإعادة الجامعة إلى وطنها ورسالتها.
لقد فرضت الحرب واقعًا استثنائيًا اضطرت معه بعض الجامعات إلى نقل أنشطتها خارج السودان حفاظًا على استمرار الدراسة. غير أن الاستثناء لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة، ولا أن يصبح بديلاً عن الجامعة السودانية داخل أرضها.
إن بقاء مؤسسات التعليم العالي خارج حدود الوطن لفترات طويلة يحمل مخاطر جسيمة، فهو يضعف الهوية الوطنية للجامعة، ويحد من قدرة الدولة على الإشراف والرقابة وضمان جودة العملية التعليمية، ويجعل مستقبل آلاف الطلاب مرتبطًا بظروف خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها.
والأخطر من ذلك أن كل قرار إصلاحي في السودان يواجه، للأسف، موجة من الضغوط حتى يتم التراجع عنه. وكأننا أصبحنا نكافئ التردد ونعاقب الحزم، ونعتبر الالتزام بالقانون تشددًا، بينما نعد الفوضى حرية.
إن الدولة التي تتراجع عن قراراتها في كل مرة تفقد هيبتها تدريجيًا، وتبعث برسالة خاطئة مفادها أن الضغط أقوى من القانون، وأن المصالح الخاصة تستطيع أن تنتصر على المصلحة الوطنية. وهذه ليست الطريقة التي تُبنى بها الدول.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو الثبات على مسار الإصلاح، مع تطبيق اللوائح على الجميع دون استثناء، ومنح المؤسسات التعليمية الفرصة لتوفيق أوضاعها وفق الأطر القانونية. أما المؤسسات التي ترفض الالتزام أو تمتنع عن استيفاء الاشتراطات، فإن التعامل معها يجب أن يكون وفق القانون والأنظمة، بما يحفظ حقوق الطلاب ويصون سمعة التعليم السوداني.
إن التعليم العالي ليس نشاطًا تجاريًا، ولا ساحة للمساومات، بل هو ركيزة من ركائز الأمن القومي وبناء الإنسان والدولة. والجامعة السودانية ليست مجرد مبانٍ أو قاعات، وإنما هي عنوان لسيادة الوطن، ومصنع للعقول، وحاضنة للهوية الوطنية.
ومن هنا، فإن دعم الإصلاح لا يعني الوقوف مع شخص، وإنما الوقوف مع مبدأ. واليوم، يقف البروفيسور أحمد مضوي أمام اختبار تاريخي، كما يقف المجتمع الأكاديمي أمام مسؤولية وطنية: إما أن ينتصر لمشروع إصلاح التعليم، أو يسمح باستمرار واقع أضعف الجامعات وأرهق الطلاب وأفقد الشهادة السودانية كثيرًا من بريقها.
إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى عودة مؤسساته، وعودة جامعاته، وعودة أساتذته، وعودة طلابه إلى وطنهم. فالأوطان لا تُبنى من الخارج، والجامعات القومية لا تزدهر إلا في قلب الوطن.
إن التاريخ سيحترم كل مسؤول اتخذ قرارًا صعبًا من أجل الوطن، وسيذكر أن إصلاح التعليم بدأ يوم توقفت الدولة عن التراجع، وآمنت بأن هيبة القرار لا تقل أهمية عن القرار نفسه.











إرسال تعليق