كيف يمكن معالجة أزمة الجامعات المهاجرة؟ ومن المسؤول؟

  • بتاريخ : 15 مايو، 2026 - 10:33 م
  • الزيارات : 37
  •  

    بقلم/ د.سعاد فقيري
    “مدير مكتب الشباب العربي”

    ما أثاره الكاتب والمهندس صبري محمد علي (العيكورة) لم يعد مجرد رأي صحفي، بل تحوّل إلى قضية رأي عام تمس مستقبل السودان كله، لأن الحديث هنا ليس عن تأخير فصل دراسي أو اضطراب إداري عابر، وإنما عن جودة الكفاءة الوطنية التي سيُبنى عليها مستقبل الدولة بعد الحرب.
    لقد نجح “العيكورة” في وضع يده على الجرح الحقيقي؛ وهو أن الخطر الأكبر ليس توقف الجامعات، بل استمرارها بصورة تُفقد التعليم جوهره الحقيقي.
    أولاً: من المسؤول؟
    الحقيقة أن المسؤولية هنا مشتركة، ولا يمكن تحميلها لطرف واحد فقط.
    1. الدولة والحكومة
    الدولة هي المسؤول الأول عن:
    إعادة الاستقرار للمؤسسات التعليمية.
    توفير الحد الأدنى للبنية التحتية.
    تأمين المدن الجامعية والمستشفيات التعليمية.
    دعم الكهرباء والمياه والاتصالات والسكن.
    فرض الرقابة الأكاديمية على جودة التعليم.
    لأن التعليم العالي قضية سيادية تتعلق بالأمن القومي وليس مجرد خدمة عامة.
    2. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
    وهي الجهة التنفيذية المباشرة، ومسؤوليتها تتمثل في:
    وضع خطة زمنية واضحة للعودة التدريجية.
    تقييم الجامعات المهاجرة بصدق وشفافية.
    إيقاف أي برامج لا تتوفر لها بيئة تدريب حقيقية.
    التفريق بين الكليات النظرية والكليات التطبيقية.
    عدم المجاملة في منح الاعتماد الأكاديمي.
    فالطب والهندسة والصيدلة وطب الأسنان لا يمكن أن تُدار بعقلية “الحد الأدنى”.
    3. إدارات الجامعات
    بعض الجامعات – للأسف – تعاملت مع الأزمة بمنطق “استمرار الرسوم” أكثر من “استمرار الجودة”.
    وهنا يجب أن تتحمل الإدارات مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية، لأن الجامعة ليست شركة تجارية، بل مؤسسة لصناعة الإنسان.
    كان ينبغي لبعض الإدارات أن تعلن بوضوح:
    هذه البرامج لا يمكن استمرارها دون معامل.
    هذا التدريب غير كافٍ.
    هذه الدفعة تحتاج فترة تعويض عملي.
    فالشفافية أفضل من صناعة خريج ضعيف يدفع الثمن لاحقاً.
    4. المجتمع والقطاع الخاص والخريجون
    إعادة بناء التعليم ليست مسؤولية الحكومة وحدها.
    يمكن للقطاع الخاص أن:
    يدعم المعامل والمختبرات.
    يفتح فرص التدريب.
    يساهم في إعادة التأهيل.
    كما أن الخريجين السودانيين بالخارج يمكن أن يكون لهم دور ضخم في:
    دعم الجامعات.
    توفير الأجهزة.
    تقديم منح وتدريب عن بُعد.
    بناء شراكات دولية.
    ثانياً: كيف تكون المعالجة الحقيقية؟
    1. إعلان حالة طوارئ تعليمية قومية
    يجب أن تعلن الدولة أن التعليم العالي قضية طوارئ وطنية، مثل الصحة والأمن والغذاء.
    لأن انهيار التعليم يعني انهيار الدولة مستقبلاً.
    2. العودة التدريجية لا الفوضوية
    ليست كل الجامعات قادرة على العودة دفعة واحدة، ولذلك المطلوب:
    تحديد الجامعات الجاهزة.
    تشغيل الكليات التطبيقية أولاً.
    استخدام مقار بديلة مؤقتة داخل السودان.
    إعادة توزيع الطلاب حسب الإمكانيات.
    3. إنقاذ الكليات التطبيقية فوراً
    هذه أخطر نقطة.
    يجب أن تُعطى الأولوية لـ:
    الطب.
    طب الأسنان.
    الصيدلة.
    الهندسة.
    المختبرات الطبية.
    لأن أي ضعف هنا ستكون نتائجه كارثية على المجتمع.
    4. إنشاء شراكات عاجلة مع المستشفيات والشركات
    يمكن معالجة جزء كبير من الأزمة عبر:
    فتح المستشفيات الحكومية والخاصة للتدريب.
    إشراك شركات المقاولات والمصانع.
    استخدام الورش والمعامل التابعة للقطاع الخاص.
    وما ذكره الكاتب عن معاناة الطلاب لإيجاد مختبرات لمشاريع التخرج يؤكد حجم الأزمة.
    5. مراجعة الخريجين أكاديمياً ومهنياً
    وهذه نقطة حساسة لكنها ضرورية.
    يجب أن تكون هناك:
    دورات تعويضية.
    امتحانات كفاءة.
    فترات تدريب إضافية.
    تقييم مهني حقيقي لبعض التخصصات.
    حتى لا نظلم الطالب ولا المجتمع.
    القضية الآن ليست تعليم فقط… بل مستقبل وطن
    السودان بعد الحرب سيحتاج:
    طبيباً يعالج.
    مهندساً يعمّر.
    معلماً يبني الإنسان.
    باحثاً يخطط للمستقبل.
    وأي تساهل اليوم سيدفع ثمنه الوطن لعشرات السنين.
    ولذلك فإن ما طرحه المهندس “العيكورة” يجب ألا يُقرأ كمقال صحفي فقط، بل كمشروع إنقاذ وطني يحتاج إلى قرار شجاع، وخطة واضحة، وإرادة حقيقية تضع جودة الإنسان السوداني فوق أي مجاملة أو حلول مؤقتة.