كفاح جيل… حين تتحدث النخبة باسم وطنٍ لم يكتمل بعد

  • بتاريخ : 16 مايو، 2026 - 3:04 م
  • الزيارات : 149
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    كاتب- محام- مستشار قانوني

    إن بعض الكتب لا تُقرأ بوصفها نصوصًا تاريخية فحسب، بل بوصفها شهادات على لحظة ولادة وعيٍ كامل. ومن هذا النوع يأتي كتاب كفاح جيل الذي كتبه أحمد خير المحامي، ليحكي قصة جيلٍ وجد نفسه في قلب التحول من الاستعمار إلى الحلم الوطني، ومن الرعية إلى فكرة المواطن.
    لم يكن هذا الكتاب سردًا محايدًا للأحداث، بل كان محاولة لفهم كيف بدأ السودان الحديث يتشكل في أذهان نخبة صغيرة من المتعلمين، حملت عبء السؤال الكبير: كيف يمكن تحويل هذا الكيان الواسع والمتنوع إلى وطن واحد؟

    خلفية تاريخية صنعت الفكرة

    تعود جذور الفكرة إلى مرحلة ما بعد سقوط الدولة المهدية في معركة كرري، حين دخل السودان عهد الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري. ومع بسط الإدارة الاستعمارية سيطرتها، بدأت في إنشاء مدارس حديثة لتخريج موظفين يعينونها على إدارة البلاد.
    لكن هذه المدارس أنتجت نتيجة لم تكن في حسبان المستعمر: طبقة من المتعلمين بدأت تدرك معنى الدولة والحقوق والسياسة، وتشكلت منها لاحقًا نواة الحركة الوطنية السودانية.
    وفي تلك الفترة كان السودان يعيش انقسامًا عميقًا بين:
    مجتمع تقليدي تحكمه الولاءات القبلية والطائفية،
    وجيل جديد بدأ يتلمس مفاهيم التعليم الحديث والوطن والدستور.

    ثم جاءت ثورة 1919 في مصر بقيادة سعد زغلول لتفتح أعين السودانيين على فكرة المقاومة الوطنية المنظمة، تلتها حركة اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف، قبل أن يتبلور لاحقًا مؤتمر الخريجين كإطار جامع للنخبة المتعلمة.

    في هذا المناخ كتب أحمد خير “كفاح جيل”، لا بوصفه مؤرخًا فقط، بل بوصفه شاهدًا وفاعلًا. فقد أراد أن يوثق تجربة جيلٍ خشي أن تضيع ذاكرته وسط التحولات السياسية السريعة، وأن تُكتب حكايته من خارجها.

    جاء الكتاب حافلًا بالأسماء والوقائع والنقاشات الفكرية، خاصة حول الاستقلال، والعلاقة مع مصر، وطبيعة الدولة المنشودة، في وقت لم تكن فيه الرؤية السياسية قد استقرت بعد.
    هل كان ذلك الجيل يمثل السودان كله؟

    هذه من أهم الأسئلة التي يثيرها الكتاب ضمناً. والإجابة الدقيقة أن ذلك الجيل لم يكن يمثل السودان كله، بل كان يمثل أساسًا النخبة المتعلمة في المدن وبعض مناطق الوسط والشمال.
    أما السودان في حقيقته الواسعة، فكان أكثر تنوعًا:
    مجتمعات ريفية واسعة،
    أقاليم بعيدة مهمشة،
    جنوب مختلف ثقافيًا ولغويًا،
    وقطاعات كبيرة لم تصلها بعد أدوات الوعي السياسي الحديث.

    ومع ذلك، فإن هذا الجيل كان أول من حاول أن يصوغ فكرة “السودان الواحد”، وأن ينقل الناس من الانتماء الضيق إلى فكرة الوطن.
    لكن محدودية التمثيل الاجتماعي لذلك الجيل انعكست لاحقًا على الدولة، حين أصبحت كثير من القرارات والرؤى محصورة داخل دائرة النخبة نفسها.

    العبر التي يقدمها “كفاح جيل” اليوم هي إن قيمة الكتاب لا تكمن في الماضي الذي يسرده، بل في الدروس التي يتركها للحاضر.

    أول هذه العبر أن بناء الأوطان يبدأ بالفكرة قبل القوة.
    فذلك الجيل لم يمتلك إلا الوعي، لكنه استطاع أن يفتح طريق الاستقلال. وثانيها أن النخبة وحدها لا تكفي لبناء وطن مستقر، ما لم تتحول إلى مشروع شامل يضم كل المجتمع، لا أن يظل محصورًا في دائرة ضيقة. وثالثها أن الاستقلال السياسي ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية، وأن إخفاق ما بعد الاستقلال غالبًا ما يكون أخطر من الاستعمار نفسه.
    كما يعلّمنا الكتاب أن إهمال التنوع الاجتماعي والثقافي داخل الدولة يؤدي إلى أزمات طويلة، وأن اختزال الوطن في فئة أو جهة أو ثقافة واحدة يفتح باب الانقسام.
    ويؤكد أيضًا أن الحوار بين المختلفين كان دائمًا جزءًا من السياسة السودانية منذ بداياتها، وأن تحويل الخلاف إلى صراع وجودي هو ما قاد لاحقًا إلى تعقيدات عميقة.

    خلاصة التجربة

    لقد كتب أحمد خير قصة جيلٍ حلم بالسودان الكبير، لكن السودان بعد عقود طويلة ما يزال يبحث عن الصيغة التي تجعل الجميع يشعرون بأن هذا الوطن وطنهم حقًا، بعيدًا عن التعصب القبلي، أو الاستعلاء الجهوي، أو الانتماءات الحزبية والإيديولوجية الضيقة.
    وهنا تكمن المفارقة: ذلك الجيل فتح الباب لفكرة الوطن، لكنه لم يتمكن من إكمال بنائه بالشكل الذي يستوعب كل تنوعه.

    ولهذا فإن قراءة “كفاح جيل” اليوم ليست وقوفًا عند الماضي، بل سؤال مفتوح للمستقبل: كيف نبني وطنًا يتجاوز حدود النخبة، ويستوعب الجميع في مشروع واحد يقوم على العدالة والمواطنة والمساواة؟