بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف الإمام
حين ينجح أحد أبنائنا، فإن فرحتنا لا تكون بالنتيجة وحدها، وإنما بما تمثله هذه النتيجة من *أملٍ في المستقبل*. وحين يأتي النجاح من أحد أبناء الدندر، فإن الفرح يصبح أوسع، لأننا نرى في تفوقه صورةً مشرقة لمدينةٍ عزيزة علينا، ورسالةً تؤكد أن *أبناء هذه المنطقة قادرون على المنافسة والوصول إلى أعلى المراتب* متى ما توفرت لهم البيئة المناسبة، والإرادة، والعزيمة.
ومن هنا، فإن نجاح ابننا *فيصل إلياس عبد الله دفوعة*، الطالب بمدرسة النوابغ الثانوية بالدندر، يستحق أن نتوقف عنده بكل فخر واعتزاز. فقد أحرز نسبة *97%، محققًا المركز الأول على مستوى ولاية سنار، والمركز الثالث عشر على مستوى السودان* في امتحانات الشهادة السودانية.
وهذا ليس مجرد رقم في نتيجة امتحان، وإنما هو *ثمرة جدٍّ واجتهاد وانضباط وطموح*، وإنجاز يحق لوالديه وأسرته ومدرسته ومعلميه، وللدندر وأهلها جميعًا، أن يفخروا به.
وأنا شخصيًا أفرح وأعتز بنجاح *فيصل إلياس*، كما أفرح وأعتز بكل نجاح يحققه أحد أبناء الدندر، وأرى أن تفوق فيصل ليس شأنًا عائليًا خاصًا، وإنما مناسبة يحق لنا جميعًا أن نفرح بها ونحتفي بها؛ لأنها تؤكد أن هذه المدينة، رغم ما مرّ ويمرّ به السودان من ظروف قاسية،
*ما زالت قادرة على تقديم أبنائها المتميزين وصناعة نماذج مشرّفة*.
لكن نجاح فيصل يقودنا إلى سؤال أكبر من نتيجة امتحان: *ماذا يعني التعليم للأمم؟*
التعليم ليس مجرد شهادة يحصل عليها الطالب ليضيفها إلى ملفه، وليس طريقًا للحصول على وظيفة فحسب. *التعليم هو الذي يصنع الإنسان القادر على التفكير والفهم والإبداع وحل المشكلات واتخاذ القرار*. وهو أحد أهم الأدوات التي تبني بها الأمم قوتها، وتصنع بها نهضتها، وتفتح بها أبواب المستقبل.
والدول التي تقدمت لم تتقدم بكثرة مواردها وحدها، وإنما تقدمت عندما أحسنت بناء الإنسان، وجعلت العلم والمعرفة أساسًا للتنمية والإنتاج والإدارة. فالثروة الحقيقية لأي وطن ليست فيما تحت الأرض فقط، وإنما في *العقول التي تعرف كيف تستخرج موارده، وكيف تحولها إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل*.
ولهذا فإن السودان، إذا أراد أن يعيد بناء نفسه بعد هذه الحرب، *لا يمكن أن يجعل التعليم قضيةً ثانوية*. إعادة بناء المدارس والجامعات والمعاهد ليست مجرد إعادة تأهيل للمباني، وإنما هي *إعادة بناء للمستقبل نفسه*.
نحن بحاجة إلى تعليم يعلّم أبناءنا *كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون فقط*؛ وكيف ينتجون، لا كيف ينتظرون الوظيفة؛ وكيف يحولون المعرفة إلى صناعة وزراعة وتقنية وخدمات، وكيف يجعلون من موارد السودان الهائلة قوةً اقتصادية تعود بالنفع على الإنسان السوداني.
ومن هنا، فإن كل طالب متفوق مثل فيصل ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد صاحب نتيجة متميزة، بل باعتباره *استثمارًا في مستقبل الوطن*. وكل معلم يضع لبنة في عقل طالب، وكل أسرة توفر لأبنائها بيئة تساعدهم على التعلم، وكل مدرسة تحرص على جودة التعليم، إنما تشارك بصورة مباشرة في *بناء السودان القادم*.
وفي هذا السياق، تستحق *مدرسة النوابغ الثانوية بالدندر الإشادة والتقدير*، لأن نجاح فيصل بهذا المستوى يؤكد أن *المؤسسات التعليمية خارج العواصم يمكنها أيضًا أن تصنع التميز*، وأن أبناء المدن والقرى السودانية ليسوا أقل قدرة على التفوق متى ما وجدوا التعليم الجيد، والمعلم المخلص، والبيئة المناسبة.
والتحية كذلك لأسرة فيصل، التي وقفت خلفه وشجعته ووفرت له ما استطاعت من أسباب النجاح، ولأساتذته الذين بذلوا جهدهم في تعليمه وتوجيهه. *فالطالب المتفوق لا يصنع نجاحه وحده؛ وراء كل نجاح كبير أسرة ومعلم ومدرسة وبيئة تشجع على التفوق.*
أما فيصل نفسه، فنقول له: *ألف مبروك يا ابن الدندر*. لقد أسعدت أسرتك، وأفرحت مدرستك، ورفعت اسم الدندر عاليًا في ولاية سنار، وأثبت أن *الطموح لا تحده الجغرافيا ولا الظروف*.
ونتمنى أن يكون هذا النجاح بدايةً لمسيرة أطول وأكبر، وأن يواصل فيصل تفوقه في مرحلته الجامعية، وأن يختار المجال الذي يستطيع من خلاله أن يخدم وطنه ويضيف إليه.
إن السودان الذي نحلم به لن يُبنى بالموارد وحدها، ولا بالشعارات وحدها، وإنما *بالعلم، والإنتاج، وحسن الإدارة، والإنسان المؤهل القادر على تحويل المعرفة إلى عمل وإنجاز*.
ولهذا فإن الاحتفاء بفيصل اليوم ليس احتفاءً بنتيجة امتحان فحسب؛ إنه *احتفاء بقيمة التعليم، وبالإنسان السوداني حين يجد الفرصة، وبالأمل في جيل جديد* يستطيع أن يحمل السودان إلى مستقبل أفضل.
فربما تكون نسبة الـ97% رقمًا في شهادة اليوم، لكن *القيمة الحقيقية لهذا النجاح ستظهر غدًا، عندما يتحول العلم إلى فكرة، والفكرة إلى عمل، والعمل إلى إنتاج، والإنتاج إلى نهضة*.
ألف مبروك لابننا فيصل إلياس عبد الله دفوعة، وألف مبروك لوالديه وأسرته، وألف مبروك لمدرسة النوابغ الثانوية بالدندر، وللدندر وأهلها، ولولاية سنار بهذا الإنجاز المشرف.
وإن كان فيصل قد حقق اليوم المركز الأول على مستوى الولاية والثالث عشر على مستوى السودان، فإن أمنيتنا أن نراه غدًا *في مواقع العلم والعمل والعطاء، واحدًا من أبناء السودان الذين يسهمون في بناء وطن قوي، منتج، متعلم، وقادر على النهوض من جديد*.






إرسال تعليق