عندما يصبح العطاء مشروع أمة ..تعليقاً على مقال  الطيب شيقوق

  • بتاريخ : 14 يونيو، 2026 - 7:15 ص
  • الزيارات : 57
  • بقلم/ م. م. الامام عبداللطيف الإمام

    قرأتُ مقال الأخ الطيب مضوي شيقوق عن مبادرة الحاج قسم البدوي الحسن وحرمه الحاجة نفيسة عبد الله العجب، فوجدتني أمام نص لا يحتفي بمبانٍ بقدر ما يحتفي بفكرة. فكرة بسيطة لكنها عظيمة: أن أغلى ما نورثه لأبنائنا ليس حجراً ولا مالاً، بل فرصة.

    الأخ الطيب أصاب لبّ الحقيقة حين قال إن “كل فصل دراسي يُقام هو نافذة جديدة على المعرفة”. نعم، المدارس ليست إسمنتاً وحديداً. المدارس رهان على المستقبل. وكل مقعد يوضع اليوم سيجلس عليه بعد سنوات طبيب يعالج، أو معلم يربي، أو مهندس يبني، أو أم تربي جيلاً على القيم. هذا هو الاستثمار الذي لا يخسر.

    ما يزيد المبادرة بهاءً، كما أشار الأخ الطيب، أنها ليست فعلاً معزولاً. هي امتداد لمسيرة عطاء بدأت بفصل في مدرسة البردانة، ومسجد بتصميم الباشمهندس بشير عبد الغني شيقوق، وها هي اليوم مدرستان كاملتان تحملان اسم الوفاء: اسم صاحب المبادرة السيد قسم البدوي واسم شريكة دربه. إطلاق اسم الحاجة نفيسة على مدرسة البنات رسالة أخلاقية قبل أن تكون لافتة. تقول للبنات: أنتنَّ مقصودات في مشروع النهوض، وللأسر: أن العطاء ثمرة شراكة لا جهد فرد.

    والأجمل أن هذه المبادرة لا تهبط من السماء. هي حلقة في سلسلة طويلة من أعمال البر التي عُرفت بها البردانة وأهلها. حين يذكر الأخ الطيب أسماء مثل فتح الرحمن الجزولي وعبد الله بشير الكناني وإخوانه، فهو يذكرنا أن العطاء في البردانة ليس نزوة، بل ثقافة متوارثة. الأب يورث ابنه ليس المال فقط، بل عادة أن يسأل: “ماذا تركتُ للناس بعدي؟”

    في زمن كثرت فيه المشاريع قصيرة النفس، تأتي مبادرة كالتي تحدث عنها الأخ الطيب لتذكرنا بميزان مختلف. ميزان لا يقيس حجم المبنى، بل عمق الأثر. وميزان لا يسأل “كم كلفت؟” بل يسأل “كم جيلاً ستنفع؟”

    شكراً للأخ الطيب شيقوق على توثيق هذا النموذج المضيء. وشكراً للحاج قسم والحاجة نفيسة على ترجمة الإيمان بالعلم إلى واقع ملموس. وليتنا نتعلم من البردانة درساً بسيطاً: أن بناء الوطن يبدأ بمقعد دراسي، وأن أعظم الصدقات ما أنبتت عقولاً تفكر وقلوباً تعمر.

    فجزاهم الله خيراً، وبارك في أهل البردانة، وجعل هذه المدارس منارة علم لا تنطفئ.