نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
ليست كل سرقة تتم في الظلام، ولا كل لصٍّ يحمل مفتاحاً مكسوراً أو يتسلل من نافذة. هناك سرقة أكثر أناقة وخطورة؛ سرقة تتم في وضح النهار، وتحت أضواء المكاتب، وبختم رسمي وتوقيع قانوني، وربما داخل قاعة اجتماع يفترض أن تكون مهمتها حماية المال العام لا استنزافه…لكن قبل ذلك ليكن راسخا في الأذهان أنني اتحدث عن ظاهرة عامة لا اختزلها في شخص محدد، فهي ظاهرة بدأت في الظهور الطاغي منذ ميلاد القطط السمان والتي صادرت الدولة شطرا من اموالها حين لم تجد سندا يثبت السرقة، او حين وجدت (كل شيء بالغانون)..
إنها السرقة المقننة؛ حين تُصاغ اللوائح والقواعد بطريقة تمنح المسؤولين في أي مؤسسة امتيازات ومخصصات تفوق المعقول، ثم يُقال إن كل شيء قانوني!
المشكلة هنا ليست دائماً في مخالفة النص، وإنما في النص نفسه حين يُستخدم لتبرير ما لا يستقيم مع الأخلاق والعدالة. فقد يستطيع مسؤول أن يحصل على بدلات ومخصصات ومزايا متعددة، ليس لأنه يستحقها بالضرورة، وإنما لأن اللوائح صيغت بطريقة تتيح له ذلك. وهكذا يتحول القانون من أداة لحماية المال العام إلى مظلة تحمي المستفيد من عدم المساءلة.
والأخطر أن القانون قد يكون عاجزاً عن وصف الفعل بأنه سرقة، بينما الضمير العام يراه كذلك.
خذوا مثالاً آخر: مسؤول يشغل عضوية مجالس إدارات في عدد كبير من مؤسسات الدولة، ويحصل في كل مؤسسة على مكافآت وبدلات وحوافز بصفته عضواً في مجلس الإدارة. وقد يصل الأمر إلى أن تتراكم له مخصصات من عشر مؤسسات أو أكثر!
قد يكون كل تعيين منفرداً مستوفياً للإجراءات، وقد تكون كل مكافأة مستندة إلى لائحة، لكن السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه هو: هل اجتماع هذه الامتيازات كلها في شخص واحد عادل ومقبول أخلاقياً، في دولة تعاني شح الموارد ويكابد موظفوها ومواطنوها ضيق المعيشة؟
هنا تظهر الفجوة بين قانونية الفعل ومشروعيته الأخلاقية.
فالمال العام ليس غنيمة لمن يستطيع الوصول إلى مفاتيح الخزائن، ولا ينبغي أن تتحول المناصب العامة إلى شبكة لإنتاج المخصصات. وإذا كان المسؤول يستطيع، بحكم نفوذه، أن يجمع عشرات البدلات والمكافآت من مؤسسات مختلفة، بينما يعجز موظف عام عن الحصول على راتبه كاملاً في موعده، فإن المشكلة لم تعد مجرد خلل إداري؛ إنها أزمة عدالة وثقة في الدولة.
العدالة لا تعني فقط ألا تسرق المال العام، وإنما تعني أيضاً ألا تستغل ثغرات اللوائح للحصول على ما لا يتناسب مع المسؤولية أو الجهد أو الحاجة.
ولهذا فإن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على مطاردة من اختلس المال أو زوّر المستندات. هناك حاجة إلى مراجعة ما يمكن تسميته «الامتيازات المشروعة شكلاً والمجحفة مضموناً»: تعدد عضويات مجالس الإدارات، تضخم المكافآت، تكرار البدلات، وتضارب المصالح، وكل نظام يسمح لفئة محدودة بتحويل الوظيفة العامة إلى مصدر متعدد للدخل.
الدولة الرشيدة لا تسأل فقط: هل هذا قانوني؟ بل تسأل أيضاً: هل هذا عادل؟ وهل يخدم المصلحة العامة؟ وهل يمكن أن نقبله لو كان المال من جيوبنا الخاصة؟
فحين يصبح القانون غطاءً للجشع، لا تعود المشكلة في اللص الذي يسرق القانون، وإنما في قانون يسمح للسرقة بأن تبدو عملاً مشروعاً.
وهنا تحديداً يبدأ الإصلاح الحقيقي: بإغلاق الأبواب التي تجعل استغلال المال العام قانونياً في الأوراق، ومرفوضاً في ضمير المجتمع.











إرسال تعليق