الرد المستحق .. يقين لا شعارات

  • بتاريخ : 5 سبتمبر، 2026 - 8:14 ص
  • الزيارات : 12
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    في المقال السابق ،، *(نبض الصناعة يعود إلى الخرطوم)* ،، حاولنا أن نقرأ انعقاد الجمعية العمومية لمصرف التنمية الصناعية باعتباره أكثر من مجرد استحقاق مؤسسي ،، وأن نرى فيه مؤشرًا على عودة المؤسسات الاقتصادية إلى أداء دورها في مرحلة الإعمار ،، مع التأكيد على أن المصرف أمام مهمة أكبر من مجرد استعادة نشاطه ،، تتمثل في توظيف خبرته وتخصصه ليكون جزءًا أساسيًا من مشروع النهوض الصناعي وإعادة المصانع إلى دورة الإنتاج ..

    لكن الحديث عن هذا الدور الكبير يفتح ،، بالضرورة ،، الباب أمام أسئلة مشروعة حول قدرة المصرف على القيام بهذه المهمة ،، هل يملك المقدرات المالية؟ وهل بنيته التحتية والتقنية مهيأة؟ وهل يملك الكوادر المؤهلة التي تستطيع إدارة ملف بهذا الحجم؟ وكيف يمكن تجاوز تحديات ما بعد الحرب؟

    وهي أسئلة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تشكيكًا في قدرة المصرف ،، وإنما باعتبارها أسئلة ضرورية لتحويل الثقة من مجرد قناعة إلى مشروع قابل للتنفيذ ،، وللانتقال من الحديث عن الدور المتوقع إلى الإجابة عن المتطلبات التي تجعل هذا الدور ممكنًا على أرض الواقع ..

    ومن هنا ،، فإن الرد المستحق ليس دفاعًا عن المصرف بقدر ما هو محاولة لوضع هذه الأسئلة في إطارها الصحيح ،، والإجابة عليها بموضوعية ،، لأن الرهان على *مؤسسة وطنية بحجم مصرف التنمية الصناعية* لا يكتمل بالشعارات ،، وإنما باليقين المبني على قراءة الإمكانات ،، وتحديد التحديات ،، وبناء الشراكات التي تجعل من الإعمار الصناعي مشروعًا قابلًا للتحقق ..

    بين سطور المقال وأسئلة القراء ،، تتشكل صورة أكثر اكتمالًا لمشروع النهوض الصناعي ،، فالأسئلة التي طُرحت ليست اعتراضًا على الطرح ،، بل هي امتداد طبيعي له ،، لأن أي رهان جاد على مؤسسة وطنية يستوجب مساءلتها بموضوعية قبل أن يُعقد عليها الأمل ..

    *هل يملك المصرف المقدرات المالية؟*
    الإجابة تبدأ من طبيعة المصرف نفسه ،، فهو مصرف متخصص مملوك للدولة ،، بمعنى أن قدرته المالية ليست رهينة أدائه التشغيلي وحده ،، بل مرتبطة بقرار سيادي يمكن أن يوجّه إليه موارد إعادة الإعمار كما أشار المقال السابق ..

    فليس المطلوب أن يخوض المصرف معركة الإعمار من موارده الذاتية وحدها ،، وإنما أن يكون الأداة المصرفية المتخصصة التي تمر عبرها موارد الدولة والشركاء إلى القطاع الصناعي ..

    فقوته لن تُقاس بحجم السيولة في خزينته وحدها ،، بل بقدرته على إدارة وتوظيف ما يُضخ فيه من أموال بكفاءة وانضباط ..

    وما أعلنته الجمعية العمومية من عودة إلى فضاء الربحية ،، ومطالبة بسداد المساهمين لرؤوس أموالهم ،، يؤكد أن المصرف يعمل على تحصين موقفه المالي من الداخل ،، بالتوازي مع انتظار الدعم السيادي من الخارج ..

    وهذا مسار صحي لا يجعل التمويل رهنًا لجهة واحدة ..

    *البنية التحتية والتقنية*
    سؤال مشروع في زمن أصبحت فيه الرقمنة شرطًا أساسياً ..
    والحقيقة أن أي مصرف خرج من سنوات الحرب سيجد نفسه أمام تحدي إعادة بناء بنيته التقنية والشبكية قبل التوسع في التمويل ..

    لكن هذا التحدي حقيقي لا مستحيل ،، فمرحلة ما بعد الحرب ينبغي ألا تُدار بعقلية استعادة ما كان قائمًا فقط ،، بل بعقلية بناء ما هو أفضل وأكثر كفاءة وقدرة على الصمود ..

    وهنا بالذات يمكن القول إن المصرف لم يعد يقف عند نقطة الصفر في هذا الجانب ..

    فقد خطا خلال الفترة الماضية خطوات كبيرة في مجال التقنية المصرفية والتحول الرقمي ،، وأصبح نظامه المصرفي التقني مواكبًا لمتطلبات البنك المركزي وتطورات العمل المصرفي ..

    وهو ما تُوّج باكتمال منظومة الموبايل المصرفي من خلال تطبيق *(صناعي)* ،، الذي أتاح تنفيذ التحاويل المصرفية بين المصرف وكل المصارف الأخرى ،، بما يعكس قدرة المصرف على مواكبة التطور التقني وتقديم خدمات أكثر سهولة وسرعة للمتعاملين معه ..

    وما تحقق حتى الآن ليس نهاية الطريق ،، بل بداية لمسار تطوير مستمر تسعى الإدارة إلى المضي فيه كلما دعت الضرورة ،، من خلال الاستفادة من التجارب الناجحة محليًا وإقليميًا ودوليًا ،، والاستعانة ببيوت الخبرة متى ما كان ذلك كفيلًا بتسريع التطوير ورفع كفاءة الأنظمة ،، وصولًا إلى منظومة مصرفية أكثر مرونة وأمانًا وانتشارًا ،، تواكب طموحات المتعاملين وتستجيب لمتطلبات مرحلة إعادة الإعمار ..

    *الكوادر المؤهلة*
    يمتلك المصرف خبرات مصرفية متراكمة في مجال تمويل الصناعة ،، تشكلت وتطورت منذ تأسيسه من خلال تلاقح خبرات وكفاءات قدمت إليه من بنوك أخرى ،، لتتكون عبر السنوات معرفة متخصصة بطبيعة القطاع الصناعي واحتياجاته التمويلية ..
    وهذا رصيد مهني لا يُبنى بين ليلة وضحاها ..

    وفي إطار الاستعداد لمرحلة إعادة الإعمار ،، تعمل الإدارة على تعزيز هذه الخبرات وسد الثغرات من خلال إعادة توزيع الكوادر جغرافيًا ونوعيًا ،، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة وحجم الانتشار المتوقع للنشاط الصناعي ،، وبما يضمن وجود الكفاءة المناسبة في المكان المناسب ،، استعدادًا لعودة المصرف إلى كامل طاقته التشغيلية ودوره المرتقب في تمويل الصناعة وإعادة الإعمار ..

    فالمطلوب ليس فقط موظفًا مصرفيًا يجيد إجراءات التمويل ،، وإنما خبيرًا يفهم المصنع وخط الإنتاج وسلسلة القيمة والتكلفة والسوق ومخاطر المشروع وقدرته على العودة إلى الإنتاج ..

    وهنا تحديدًا يصبح التمويل أكثر من مجرد قرض ،، ويتحول إلى قرار تنموي ..

    *قيمة الشراكة المؤسسية*
    من هذا المنطلق ،، يصبح مقترح الشراكة مع اتحادات الصناعات ومنظمات أصحاب العمل ذا قيمة مضاعفة ،، فهذه الكيانات تمتلك معرفة ميدانية دقيقة بمواقع الضرر وأولويات التشغيل ،، ما يوفر على المصرف جهدًا كبيرًا في المسح والتقييم ،، ويجعل قرارات التمويل أقرب إلى الواقع وأبعد عن الاجتهاد النظري ..

    بل يمكن أن تنشأ من هذه الشراكة لجان أو منصات مشتركة لحصر المصانع المتضررة وتصنيف احتياجاتها وترتيبها حسب الأثر الاقتصادي ..

    فالهدف ليس تمويل أكبر عدد من المصانع ،، وإنما إعادة أكبر قدر ممكن من الطاقة الإنتاجية إلى الاقتصاد في أقصر وقت ممكن ..

    *تحديات ما بعد الحرب*
    لا أحد يزعم أن الطريق مفروش بالورد ،، فالمصرف كغيره من مؤسسات الدولة يواجه إرثًا من التوقف وتراجع الموارد ومتطلبات استعادة كامل طاقته التشغيلية ..

    غير أن ما يبعث على التفاؤل هو جاهزية العاملين واستعدادهم للعودة بروح عالية وطاقة إيجابية ،، وإيمان راسخ برسالة المصرف ودوره في المرحلة القادمة ،، بما يعكس قدرة المؤسسة وكوادرها على تجاوز العقبات والمضي قدمًا في استعادة نشاطها بكفاءة واقتدار ..

    وفي هذا السياق ،، فإن انعقاد الجمعية العمومية نفسها في الخرطوم ،، وما تضمنته من قرارات مهمة تتصل بتعديل القانون ومعالجة أوضاع العاملين والاستعداد لعودتهم إلى مواقع العمل ،، يمثل مؤشرًا قويًا على أن المصرف قد بدأ بالفعل في تجاوز آثار المرحلة السابقة ،، وتهيئة نفسه للانطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها الجاهزية والعمل والإسهام الفاعل في إعادة الإعمار ..

    *المعادلة الكاملة*
    كل هذه الأسئلة مشروعة ،، لكنها تصب جميعًا في نتيجة واحدة:
    أن *مصرف التنمية الصناعية* ،، بحكم *تخصصه* وملكيته للدولة ،، هو الجهة الوحيدة المؤهلة لقيادة هذا الملف من بين المصارف كافة ،، وأن العوائق المذكورة ليست استحالات ،، بل مهام قابلة للإنجاز إذا تضافرت معها الشراكات المؤسسية ،، ودعم بيوت الخبرة، وقرار سيادي حاسم من بنك السودان المركزي ووزارة المالية ..

    وهنا تبرز أهمية السؤال الأكبر الذي يجب أن يسبق كل سؤال آخر:
    ليس فقط *(هل يستطيع المصرف تمويل الإعمار؟)* ،، بل *(هل أعددنا للمصرف البيئة التي تمكنه من قيادة هذا التمويل؟)*. فالمصرف لا يحتاج أن يعمل وحده ،، بل أن يعمل وسط منظومة متكاملة تضم الدولة ،، وبنك السودان المركزي، ووزارة المالية ،، ووزارة الصناعة ،، وتنظيمات أصحاب العمل ،، واتحادات الصناعات ،، والمستثمرين، وبيوت الخبرة ..

    وقد سبق أن أشرنا في مقال سابق إلى ضرورة تكوين *محفظة الإعمار الصناعي* ،، لتكون تحت ريادة وقيادة مصرف التنمية الصناعية ،، باعتبارها الإطار العملي الذي يترجم هذا التكامل المؤسسي إلى خطوات تنفيذية محددة على الأرض ..

    فالثقة في المصرف ليست شعارًا عاطفيًا ،، بل قراءة موضوعية لموقعه في الخارطة المصرفية السودانية ،، فهو ليس مجرد خزينة نُقرض منها المال ،، بل ذاكرة قطاع صناعي ،، وخبرة تراكمية ،، وكوادر تعرف طبيعة الصناعة ،، ومؤسسة مملوكة للدولة ومتخصصة في المجال الصناعي من بين المنظومة المصرفية كافة ..

    وطالما توفر الدعم الكافي ،، فإن العبور بالصناعة الوطنية نحو الإعمار ليس أملًا بعيدًا ،، بل مسار قابل للتحقق خطوة بخطوة ..

    فحين يدور المصنع ،، يدور معه الاقتصاد ،، وحين يعود العامل إلى ماكينته ،، تعود أسرة كاملة إلى الأمل ،، وحين يعود الإنتاج ،، يبدأ السودان في استعادة عافيته .

    سمير سيد عثمان
    الجمعة 04 سبتمبر 2026م