بقلم: د. مختار خضر بشراب
كان هناك زمن تبدو فيه الحقيقة شيئًا يمكن الاختلاف حوله، لكن لا يمكن اختراعه بسهولة. قد يختلف الناس في تفسير حدث، أو في دوافعه، أو في الحكم عليه، لكن الحدث نفسه كان موجودًا خارج اختلافاتهم. كان يمكن أن نقول: هذا حدث، ثم نختلف بعد ذلك في معناه. أما اليوم فقد أصبحنا نعيش في عالم أكثر تعقيدًا؛ عالم يمكن فيه للصورة أن تقول شيئًا لم يحدث، وللصوت أن يتحدث بلسان صاحبه وهو لم ينطق كلمة، وللمشهد أن يبدو حقيقيًا إلى درجة تجعل الشك فيه أقرب إلى السذاجة منه إلى الحذر. وهنا لا يعود السؤال: من يملك الحقيقة؟ وإنما يصبح السؤال الأصعب: كيف نعرف الحقيقة أصلًا؟
المشكلة ليست أن الإنسان عرف الكذب اليوم؛ فقد عرفه منذ عرف اللغة، ولم تكن الحقيقة في أي عصر بمنأى عن التلاعب أو المبالغة أو الدعاية. الجديد هو أن الأدوات التي تستطيع إعادة تشكيل الواقع أصبحت أقوى وأسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى عدد هائل من الناس. لم يعد اختلاق قصة يحتاج إلى وقت طويل، ولا يحتاج بالضرورة إلى صحيفة أو محطة تلفزيون أو مؤسسة تملك وسائل النشر. يكفي أحيانًا أن تُصاغ رواية بطريقة مقنعة، ثم تجد طريقها إلى شاشة صغيرة يحملها إنسان في يده، ومن هناك تبدأ رحلة قد تجعل الكذبة أكثر انتشارًا من الحقيقة التي تحتاج إلى وقت حتى تثبت نفسها.
وهنا تظهر مفارقة عصرنا: الكذب سريع، أما الحقيقة فغالبًا بطيئة. الكذبة لا تحتاج إلى أدلة كثيرة كي تنتشر؛ يكفي أن تكون مثيرة، أو مخيفة، أو توافق ما يريد الناس تصديقه. أما الحقيقة فتحتاج إلى سؤال، ومصدر، ومقارنة، وتحقق، وربما إلى انتظار. ولهذا قد تصل المعلومة الخاطئة إلى ملايين الناس قبل أن يصل التصحيح إلى بضعة آلاف. وعندما يحدث ذلك، لا يكون التصحيح دائمًا قادرًا على محو الأثر الأول؛ لأن الإنسان لا يتعامل مع المعلومات كصفحة بيضاء يمكن مسحها وإعادة الكتابة عليها.
لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة أصلًا، وإنما يبحث عما يؤكد الحقيقة التي اختارها مسبقًا. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فقد لا يكون ما يراه الإنسان كذبًا صريحًا، لكنه قد يكون جزءًا من صورة انتقائية تجعله يرى جانبًا واحدًا من الواقع، ثم يعتقد أنه رأى الواقع كله. ومع اتساع الفضاء الرقمي، أصبح بإمكان كل شخص تقريبًا أن يعيش داخل دائرة من المعلومات تشبه أفكاره ومخاوفه وقناعاته. وما يراه كل يوم يصبح، بالتدريج، العالم الذي يعتقد أنه موجود.
وهكذا لا تعود الحقيقة واحدة في التجربة الإنسانية اليومية، ليس لأن الواقع أصبح متعددًا، وإنما لأن صورته في عقولنا أصبحت متعددة بصورة غير مسبوقة. شخص يرى المشهد نفسه فيقرأ فيه انتصارًا، وآخر يراه هزيمة، وثالث يراه مؤامرة، ورابع لا يرى فيه شيئًا سوى مادة قابلة للاستهلاك. الحدث واحد، لكن الروايات التي تحيط به كثيرة إلى درجة تجعل الإنسان أحيانًا عاجزًا عن التمييز بين ما حدث فعلًا وبين ما قيل له إنه حدث.
ومن أخطر التحولات أن الصورة نفسها فقدت جزءًا من براءتها. كان الإنسان يقول في الماضي: «رأيت ذلك بعيني»، وكأن الرؤية شهادة نهائية. أما اليوم فلم تعد العين وحدها كافية. قد ترى صورة حقيقية في المكان الخطأ، أو مشهدًا حقيقيًا من زمن آخر يقدم لك باعتباره حدثًا جديدًا، أو صوتًا يشبه صوت شخص لم يقل ما تسمعه، أو وجهًا حقيقيًا في مشهد لم يحدث أصلًا. ومع تطور أدوات التوليد الاصطناعي، أصبح علينا أن نعيد التفكير حتى في العبارة القديمة: (الصورة لا تكذب)
لقد أصبحت الصورة قادرة على الكذب.
والأخطر من ذلك أنها تستطيع أن تكذب بإتقان.
لكن التكنولوجيا، في الحقيقة، ليست سوى آخر حلقات القصة. فالمشكلة الأعمق ليست في قدرة الآلة على صناعة صورة مزيفة، وإنما في استعداد الإنسان لتصديقها قبل أن يسأل. التقنية تستطيع أن تنتج المحتوى، لكنها لا تجبرنا على تصديقه. وهنا تعود المسؤولية إلينا نحن؛ إلى قدرتنا على التمهل، وعلى الشك الصحي، وعلى التمييز بين ما نعرفه وما نعتقده، وبين ما رأيناه وما قيل لنا إننا رأيناه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن تنتشر فيه الأكاذيب، وإنما أن يفقد الناس الرغبة في البحث عن الحقيقة. فحين يصبح الإنسان مقتنعًا بأن كل شيء مزيف، وأن الجميع يكذبون، وأن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها، يصبح الكذب أكثر قوة؛ لأن الحقيقة نفسها تفقد قيمتها. عندها لا يعود السؤال: هل هذا صحيح؟ وإنما: «ومن قال إن هناك حقيقة أصلًا؟» وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، يصبح من السهل جدًا على أي رواية أن تجد لنفسها مكانًا.
وهنا تتحول عبارة (الحقيقة وجهة نظر) آمن تعبير عن اختلاف مشروع في الرأي إلى خطر فكري إذا استخدمت بطريقة تجعل الواقع نفسه تابعًا للرغبة. نعم، يمكن أن تكون لنا وجهات نظر مختلفة حول حدث واحد، ويمكن أن تختلف قراءاتنا للأسباب والنتائج والدوافع، لكن اختلاف التفسير لا يعني أن الوقائع نفسها قابلة لإعادة الاختراع. هناك فرق بين أن أقول: أنا أرى الأمر بهذه الطريقة، وبين أن أقول: لأنني أراه بهذه الطريقة، فلا بد أن يكون الواقع كذلك.
هذا الفرق البسيط هو أحد أهم الخطوط التي ينبغي ألا تضيع في عصرنا.
فنحن لا نحتاج إلى مجتمع يتفق أفراده على كل شيء؛ ذلك مستحيل، وربما لا يكون مرغوبًا أصلًا. ما نحتاجه هو مجتمع يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يختلفوا أولًا حول وجود الواقع نفسه. يمكننا أن نختلف في الحكم على حدث، لكن ينبغي أن نتمكن من الاتفاق على ما حدث. يمكننا أن نختلف في تفسير رقم، لكن ينبغي أن نتفق على الرقم. يمكننا أن نختلف في الرؤية، لكن ينبغي أن نعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الرأي.
وهذا يضع على الإنسان المعاصر مسؤولية لم تكن بهذه الدرجة من التعقيد من قبل: أن يصبح أكثر تواضعًا أمام ما لا يعرف. فربما تكون إحدى علامات الوعي في عصر المعلومات أن يستطيع الإنسان أن يقول: لا أعرف بعد. ليست هذه هزيمة، وإنما قد تكون أكثر الإجابات نزاهة. فالإنسان الذي يعترف بأنه لا يعرف يترك الباب مفتوحًا أمام الحقيقة، بينما الإنسان الذي يقرر بسرعة أنه يعرف كل شيء قد يغلق الباب قبل أن تبدأ رحلة البحث.
وقد نحتاج أيضًا إلى استعادة قيمة السؤال. ففي زمن تصل فيه الإجابة قبل أن نعرف السؤال، يصبح السؤال نفسه نوعًا من المقاومة الفكرية. من أين جاءت هذه المعلومة؟ لماذا ظهرت الآن؟ من المستفيد من انتشارها؟ هل الصورة كاملة أم مجتزأة؟ هل هناك مصدر مستقل يؤكدها؟ وهل أنا أصدقها لأنها صحيحة، أم لأنها توافق ما أريد أن يكون صحيحًا؟
هذه الأسئلة لا تجعل الإنسان شكاكًا في كل شيء، بل تجعله أقل قابلية لأن يكون تابعًا لكل شيء.
وربما لهذا السبب ستكون التقنيات واحدًة من أكبر الاختبارات التي ستواجه علاقتنا بالحقيقة. فهي تستطيع أن تساعد الإنسان على الوصول إلى المعرفة، وتحليل كميات هائلة من المعلومات، واكتشاف أنماط يصعب على العقل البشري رؤيتها وحده. لكنه يستطيع، في الوقت نفسه، أن يجعل صناعة المحتوى المضلل أكثر سهولة، وأن يجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة. ولذلك لن يكون التحدي في أن نصبح أكثر خوفًا من التكنولوجيا، وإنما في أن نصبح أكثر وعيًا بما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، وأكثر مسؤولية في الطريقة التي نستخدمها بها.
وقد يأتي يوم لا يكون السؤال فيه: «هل هذه الصورة حقيقية؟» فقط، وإنما: «ما الذي يجعلني أصدقها؟»
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لأن الإنسان قد لا يكون ضحية الكذب فقط؛ قد يكون أحيانًا شريكًا فيه دون أن يدرك. يشارك مادة لم يتحقق منها، يعيد نشر قصة لأنها أثارت غضبه، يصدق مقطعًا لأنه يوافق موقفه، ويرفض حقيقة موثقة لأنها لا تتفق مع ما يريد أن يراه. وفي كل مرة يحدث ذلك، لا تكون المشكلة في التكنولوجيا وحدها؛ يكون الإنسان قد منحها جزءًا من سلطتها.
لذلك ربما لا يكون مستقبل الحقيقة مرتبطًا فقط بقدرة التكنولوجيا على التزييف، وإنما بقدرتنا نحن على استعادة فضيلة التحقق. أن نعرف متى نصدق، ومتى نشك، ومتى ننتظر، ومتى نقول ببساطة: أحتاج إلى أن أعرف أكثر.
فالحقيقة لا تحتاج إلى أن تكون صاخبة حتى تكون حقيقة، ولا تحتاج إلى أن تنتشر ملايين المرات حتى تصبح صحيحة. وقد تكون الحقيقة أحيانًا وحيدة في لحظة من اللحظات، بينما يكون الخطأ أكثر شعبية منها. لكن التاريخ الإنساني علمنا أن كثرة المؤمنين بفكرة لا تجعلها صحيحة، كما أن قلة من يعرفون الحقيقة لا تجعلها باطلة.
ربما يكون أخطر ما ينتظرنا في السنوات القادمة عالم لا نستطيع فيه أن نميز بسهولة بين الحقيقة والرواية، وبين الخبر والتفسير، وبين الصورة والاختلاق. لكن الأخطر من ذلك كله أن نتوقف عن محاولة التمييز.
لأن المجتمع الذي يفقد القدرة على الاتفاق على بعض الحقائق المشتركة يصبح عاجزًا عن بناء معرفة مشتركة، ثم يصبح الاختلاف فيه أكثر قسوة، والحوار أكثر صعوبة، والقرار العام أكثر هشاشة. وعندما لا يعود الناس يعيشون في عالم معلومات واحد، فإنهم قد يعيشون في عوالم مختلفة وهم تحت سقف واحد.
ولهذا فإن المعركة القادمة قد لا تكون معركة من يملك أكبر قدر من المعلومات، وإنما معركة من يستطيع أن يميز بين المعلومات والمعرفة، وبين المعرفة والحقيقة، وبين الحقيقة والرغبة في تصديقها.
وربما كان علينا أن نعيد صياغة المسمى نفسه.
فالحقيقة ليست وجهة نظر.
لكن نظرتنا إلى الحقيقة قد تكون وجهة نظر.
وهذه المسافة الصغيرة بين العبارتين قد تكون واحدة من أهم المسافات التي يجب أن نحافظ عليها.
فإذا ضاعت، قد يصبح كل شيء قابلًا للتصديق، وعندما يصبح كل شيء قابلًا للتصديق، لا تعود المشكلة أن الحقيقة اختفت…
بل أن الإنسان لم يعد يعرف لماذا يبحث عنها.
د. مختار خضر بشراب











إرسال تعليق