منشور بنك السودان .. هل يبدأ الجنيه رحلة استعادة الثقة؟

  • بتاريخ : 25 أغسطس، 2026 - 8:40 م
  • الزيارات : 6
  • بقلك / سمير سيد عثمان

    السوق لا يحتاج إلى سعر جديد بقدر ما يحتاج إلى ثقة جديدة .

    ولعل هذه هي الزاوية التي ينبغي أن نقرأ من خلالها منشور بنك السودان المركزي رقم (2026/16) ،، الصادر في 24 أغسطس 2026 ،، بعيداً عن الاحتفاء به باعتباره حلاً نهائياً لأزمة النقد الأجنبي ،، أو التقليل من أهميته باعتباره مجرد إجراء فني ..

    فالمنشور منح المصارف صلاحية تعديل أسعار صرفها المعلنة أكثر من مرة خلال اليوم ،، وفق حركة السوق ،، كما سمح لها بشراء حصائل الصادر بالأسعار التي تعلنها ،، بدلاً من الالتزام بسعر موحد يحدده البنك المركزي ..

    وفي جوهره يحاول معالجة واحدة من أبرز مشكلات سوق الصرف : الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي وما تسببه من اختلال في الحوافز ..

    فحين يكون السعر المصرفي بعيداً عن واقع السوق ،، يصبح المصدر أقل حماساً لتمرير حصيلته عبر القنوات الرسمية ،، ويبحث النقد الأجنبي عن طريق آخر .، ومن هنا تبدو مرونة التسعير خطوة منطقية ،، فإذا اقترب السعر المصرفي من واقع العرض والطلب ،، فقد يستعيد الجهاز المصرفي جزءاً من جاذبيته ،، وقد تعود حصائل الصادرات إلى مسارها الرسمي ..

    وهنا يبرز الذهب باعتباره أحد الاختبارات المهمة للمنشور ..

    فالذهب من أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان ،، وقد أضعفت الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية حافز المصدرين على تمرير حصائلهم عبر المصارف ..
    وإذا وفر المنشور سعراً أكثر عدالة ومرونة أكبر في التعامل ،، فإن جزءاً من هذه الحصائل يمكن أن يعود إلى الجهاز المصرفي ،، بما يزيد المعروض الرسمي من النقد الأجنبي ويدعم الجنيه ..

    لكن المرونة لا تعني غياب الرقابة .
    فإذا أصبحت لكل مصرف تسعيراته دون شفافية وانضباط ،، فقد تنتقل المشكلة من فجوة بين الرسمي والموازي إلى تفاوتات داخل السوق المصرفي نفسه ..
    المطلوب هو سعر أكثر مرونة ،، لا سوق أكثر فوضى ،، ورقابة تحمي السوق ،، لا عودة إلى تسعير إداري منفصل عن الواقع ..

    وتزداد أهمية هذه الملاحظة لأن المنشور الحالي جاء بعد سلسلة من التغييرات السريعة في سياسة الصرف خلال أسابيع قليلة ..
    فقد سبقه تعميم 28 يونيو بشأن سعر صرف (*ضخ*) موحد ،، ثم تعاميم 11 و12 أغسطس ،، قبل أن يأتي منشور 24 أغسطس ليلغي الأخيرين ويعيد توسيع مساحة التحرير أمام المصارف ..

    قد تكون هذه التحولات تصحيحاً لمسار لم يحقق أهدافه ،، لكن تكرار الانتقال بين التقييد والتحرير يظل عاملاً مؤثراً في ثقة السوق ،، فالمتعامل لا يحتاج إلى سعر مناسب فقط ،، وإنما يحتاج أيضاً إلى قواعد يستطيع أن يتوقع استمرارها ..

    ولهذا لن يكون الحكم الحقيقي على المنشور في يوم صدوره ،، وإنما في الأسابيع التالية ..

    فالسوق سيقرأ النتيجة ،، *هل عادت حصائل الصادرات إلى المصارف؟* *هل تحسنت قدرة المصارف على تلبية طلبات العملاء؟ وهل بدأت الفجوة مع السوق الموازي في الانحسار فعلاً؟*

    إذا حدث ذلك ،، يمكن للمنشور أن يساهم في استقرار سعر الصرف على المدى القصير ،، عبر زيادة المعروض الرسمي من النقد الأجنبي وتقليل الحوافز التي تدفع إلى السوق الموازي ..

    لكن هذا الاستقرار لن يكون مستداماً بالمنشور وحده .

    فالبنك المركزي يستطيع تحسين آلية التسعير وإدارة النقد الأجنبي ،، لكنه لا يستطيع خلق الدولار من فراغ .، الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى صادرات وإنتاج وتجارة تعمل ،، وإلى عودة النشاط الاقتصادي الذي أرهقته الحرب وتعطلت بسببه سلاسل الإنتاج والنقل والتمويل ..

    ومن هنا فإن الرأي الأقرب إلى الواقع هو أن منشور 2026/16 يمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح ،، لكنه ليس ضمانة لاستقرار الجنيه ..
    نجاحه مرهون بقدرته على جذب حصائل الصادرات ،، وتقليص الفجوة مع السوق الموازي ،، واستمرار السياسة الجديدة بصورة مستقرة ،، إلى جانب رقابة مصرفية ونقدية فعالة ..

    أما الاختبار الأكبر فيبقى الثقة .، فالمواطن لن يثق لأن منشوراً صدر ،، والمصدر لن يعيد حصيلته لأن التعليمات تغيرت ،، الثقة ستعود عندما يرى الناس أن السعر المعلن قابل للتنفيذ ،، وأن المصارف قادرة على تلبية الطلب ،، وأن القواعد مستقرة ،، وأن التعامل عبر القنوات الرسمية أصبح أكثر جدوى من السوق الموازي ..

    لذلك فإن منشور 2026/16 قد يكون بداية رحلة استعادة الثقة ،، لكنه ليس أول محطة في هذه الرحلة ولا آخرها ..

    فالعملة لا تستعيد عافيتها بمجرد تحرير سعرها ،، وإنما عندما يستعيد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والتصدير ،، ويجد المواطن والمصدر في الجهاز المصرفي قناة أكثر أماناً وجدوى من السوق الموازي ..

    وهنا سيظهر نجاح المنشور الحقيقي ،، ليس في السعر الذي ستعلنه المصارف ،، وإنما في قدرته هذه المرة على تحويل ذلك السعر إلى ثقة ،، وتحويل الثقة إلى تدفقات نقد أجنبى ،، وتحويل التدفقات إلى قدر من الاستقرار يصمد أمام تقلبات السوق .

    سمير سيد عثمان
    الثلاثاء 25 أغسطس 2026