ضياع ميجر ٢ بين مصنع سكر سنار ومشروع الجزيرة

  • بتاريخ : 20 سبتمبر، 2026 - 8:51 ص
  • الزيارات : 12
  • بقلم /دكتور الزبير حمزة الزبير 

    ميجر ٢ حكاية أخرى من حكايات الأرض العطشى ومن قصص المزارعين الذين يجدون أنفسهم في كل موسم أمام معركة جديدة من أجل الحصول على المياه لري حواشاتهم التي هي مصدر دخلهم
    وهذا الميجر هو جزء من منظومة زراعية من ضمن الحواشات التابعة لمشروع الجزيرة وظل وجوده مرتبطاً بحياة الناس في المنطقة حيث ظل على مدى سنوات تصل المياه عبره لري الحواشات التابعة له وكان المزارع يزرع أرضه وهو يعرف أن وراء الزراعة شبكة ري يفترض أن توفر له المياه في الوقت المناسب وكانت الأرض تنتظر نصيبها من الماء كما ينتظر المزارع حصاد تعبه
    وبعد الحصاد يتم دفع رسوم او ضريبة المياه لمشروع الجزيرة
    لكن السنوات الأخيرة حصل واقعاً مختلفاً حيث اصبحت الحواشات التابعة لهذا الميجر يتم زراعتها وفقاً لنظام الشراكة التي تمت عبر لجنه مع مصنع سكر سنار حيث إلتزم المصنع بمد هذه الحواشات بالمياه من محطة البيارة التابعة له ولكن مع توقف مصنع سكر سنار بفعل هذه المليشيا تبدلت المعادلة بصورة كبيرة وذلك بقطع المياه عن ميجر ٢، ووجد المزارعون أنفسهم أمام مشكلة لم تكن في حساباتهم لان الميجر الذي كان يؤدي دوره في إيصال المياه أصبح اليوم شبه معطل والمزارعون الذين ترتبط حياتهم الزراعية به أصبحوا لا يعرفون إلى أي جهة يتجهون
    هل المسؤول عنه مشروع الجزيرة أم مصنع سكر سنار أم أن الشراكة التي تمت عبر اللجنة بين الطرفين جعلت مسؤوليته مشتركة وإذا كانت المسؤولية مشتركة فلماذا لا تتحرك الجهات المعنية بصورة رسمية لإنقاذ الموسم
    هذه الأسئلة أصبحت مطروحة بقوة ولكن المشكلة أن الموسم الزراعي لا ينتظر الإجابة عليها
    نحن الآن في شهر سبتمبر وهي فترة لا تسمح بالمزيد من التأخير والأرض عطشى، والمحاصيل تحتاج إلى المياه والمزارعون يعيشون حالة من القلق وهم يرون الموسم الذي تعبوا من أجله مهدداً بالضياع أمام أعينهم
    إن مأساة ميجر ٢ ليست في انقطاع المياه وحده وإنما في حالة الضياع الإداري التي أصبح يعيشها الميجر نفسه يبدو وكأنه ضائع بين مشروع الجزيرة ومصنع سكر سنار بينما المزارع لا يعنيه كثيراً من يملك القرار الإداري بقدر ما يعنيه أن تصل المياه إلى أرضه
    فالجهات التي لديها علاقة بهذا الميجر مطالبة اليوم بأن تتجاوز مسألة الاختصاصات وتتعامل مع القضية باعتبارها قضية إنقاذ موسم زراعي وحماية أرزاق المواطنين
    المزارعون يريدون المياه التي تقوم عليها زراعتهم، ويريدون من المسؤولين أن يحسموا مسألة الميجر بصورة واضحة حتى لا يتكرر هذا الوضع في كل موسم
    وإذا كانت المشكلة فنية، فلتتم المعالجة الفنية وإذا كانت المشكلة في الطلمبات أو القنوات أو البوابات أو مصادر المياه، فلتحدد المشكلة وتوضع لها المعالجة وإذا كانت المشكلة مالية فلتتحمل الجهات ذات الصلة مسؤوليتها وتبحث عن التمويل اللازم وإذا كانت المشكلة إدارية بسبب تداخل الاختصاصات فلتجلس الأطراف المعنية في غرفة واحدة وتحسم الأمر. والسؤال المهم الم يكن في عقد الشراكة فقرة لمواجة المخاطر وكذلك كيفية فض هذه الشراكة
    المهم ألا يبقى المزارع هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة
    فالمزارع الذي دفع تكاليف الحرث والتقاوي والعمالة والآليات وغيرها من المدخلات الزراعية لا ينبغي أن يخسر كل ذلك بسبب غياب التنسيق بين مؤسسات يفترض أنها موجودة أصلاً لخدمة القطاع الزراعي
    كما أن القضية لا تتعلق بمزارع واحد أو حواشة واحدة عندما تتعطل قناة أو ميجر يخدم مجموع من الحواشات، فإن آثار المشكلة تمتد إلى أسر كثيرة الأسرة التي تعتمد على محصولها في الغذاء والدخل والتعليم والعلاج وغيرها من احتياجات الحياة تصبح معرضة لخسارة كبيرة
    وفي المناطق الزراعية الموسم ليس مجرد فترة زمنية عابرة إنه دورة حياة كاملة فالمزارع يبدأ الموسم بتوقعات وآمال يستدين أحياناً لتمويل زراعته ويضع كل ما يملك في الأرض ثم ينتظر الحصاد ليعيد ما عليه من التزامات ويؤمن احتياجات أسرته وعندما تنقطع المياه في منتصف الطريق، فإن الخسارة لا تكون في المحصول وحده وإنما في سلسلة كاملة من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية
    ومن هنا فإن قضية ميجر ٢ يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مشكلة ري محلية محدودة وإنما باعتبارها قضية إنتاج واستقرار اقتصادي واجتماعي.
    السؤال الأهم الآن لماذا لا يتم تكوين لجنة عاجلة من مشروع الجزيرة ومصنع سكر سنار والجهات المختصة بالري والسلطة المحلية للوقوف ميدانياً على وضع الميجر ومعرفة أسباب انقطاع المياه ووضع الحل العاجل
    فتوقف مصنع سكر سنار، يجب ألا يؤدي إلى توقف كل الأنشطة الزراعية المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمنظومة التي كان المصنع جزءاً منها فالمنطقة لا تحتمل خسارة فوق خسائرها
    لقد عانى الناس كثيراً من الحرب والنزوح وتوقف النشاط الاقتصادي وأصبحت الزراعة بالنسبة لكثير من الأسر واحدة من أهم وسائل الاستمرار والصمود وإذا ضاع الموسم بسبب العطش فإن آثار ذلك ستضيف عبئاً جديداً على مجتمع أنهكته الظروف
    ولهذا فإن إنقاذ ميجر ٢ يجب أن يكون جزءاً من عملية أوسع لحماية الزراعة واستعادة النشاط الاقتصادي في المنطقة
    المزارعون اليوم يوجهون نداءً واضحاً أنقذوا الموسم قبل فوات الأوان.
    لا تجعلوا ميجر ٢ ضائعاً بين مشروع الجزيرة ومصنع سكر سنار إن كان تابعاً لمشروع الجزيرة فليتحمل المشروع مسؤوليته وإن كان مرتبطاً بالمصنع فلتحدد إدارة المصنع مسؤوليتها وليكن الهدف الأول هو وصول المياه إلى الأرض
    ليس من المهم الآن من يضع يده على الملف بقدر ما يهمنا أن تصل المياه إلى الميجر
    فالملفات يمكن ترتيبها لاحقاً والاختصاصات يمكن حسمها لاحقاً أما الموسم الزراعي فإذا فات وقته فلن تعيده المكاتبات
    والمزارع الذي ينتظر الماء لا يستطيع أن ينتظر طويلاً
    لقد آن الأوان أن نتعامل مع الري باعتباره مسألة حياة وإنتاج وليس مجرد اختصاص إداري
    فالماء هو أساس الزراعة والزراعة هي أساس حياة آلاف الأسر وحماية الموسم الزراعي تعني حماية المجتمع من مزيد من الفقر والحاجة
    ومن هنا نرفع النداء إلى إدارة مشروع الجزيرة، وإدارة مصنع سكر سنار والجهات المختصة بالري والسلطات الولائية والمحلية وكل من له علاقة بهذا الملف اجتمعوا الآن اذهبوا إلى ميجر ٢ عاينوا وضعه استمعوا إلى المزارعين وحددوا المسؤولية وأعيدوا المياه
    لا نريد وعوداً جديدة، ولا نريد تبادل الاتهامات ولا نريد أن تنتقل القضية من مكتب إلى مكتب.
    نريد حلاً
    نريد أن يسمع المزارع صوت المياه وهي تصل إلى أرضه
    نريد أن يرى المزارع محصوله واقفاً بدلاً من أن يراه يذبل أمام عينيه
    نريد أن يشعر بأن هناك مؤسسات تقف إلى جانبه في أصعب الظروف
    إنقاذ ميجر ٢ في هذه اللحظة ليس خدمة لمجموعة محدودة من المزارعين بل هو رسالة إلى المنطقة كلها بأن الزراعة ما زالت حاضرة وأن الأرض التي صمد أهلها أمام الظروف القاسية لن تترك عطشى بسبب خلاف في المسؤوليات