بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (26) القصص.
ليست الدولة مباني شاهقة ولا طرقًا وجسورًا فحسب، وإنما هي قبل كل شيء مؤسسات يحكمها القانون، ويديرها موظفون أكفاء يؤمنون بأن الوظيفة العامة أمانة ورسالة قبل أن تكون مصدرًا للرزق. ولذلك فإن نجاح أي مشروع لإعادة بناء السودان يبدأ بإعادة بناء الخدمة المدنية، لأنها الجهاز الذي يترجم السياسات إلى واقع، ويحوّل الخطط إلى إنجازات.
لقد عُرفت الخدمة المدنية السودانية لعقود طويلة بأنها من أفضل الأجهزة الإدارية في إفريقيا والعالم العربي، وتميزت بالكفاءة والانضباط والحياد، وأسهمت في بناء مؤسسات الدولة منذ الإستقلال، حتى أصبحت محل احترام داخل السودان وخارجه. لكن هذه المؤسسة العريقة تعرضت خلال العقود الماضية لتراجع كبير بسبب التسييس، وضعف الإلتزام بمعايير الكفاءة، وتداخل السلطات، وتآكل القيم المهنية، مما انعكس سلبًا على أداء الدولة في مختلف القطاعات.
إن إعادة إعمار السودان بعد الحرب لا تحتاج إلى الأموال وحدها، بل تحتاج قبل ذلك إلى جهاز إداري كفء، قادر على التخطيط والتنفيذ والمتابعة والمحاسبة. فالمشروعات قد تُموَّل، والخطط قد تُعَد، لكن تنفيذها ونجاحها يظلان مرهونين بوجود خدمة مدنية مؤهلة وفاعلة، تجعل من الرؤية إنجازًا، ومن الخطط واقعًا يلمسه المواطن.
ولعل أول خطوة في الإصلاح هي إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة والجدارة في التعيين والترقي، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو جهوية أو شخصية. فالوظيفة العامة يجب أن تكون حقًا للأكثر قدرة، لأن الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه الأكفاء.
كما أن من الضروري ترسيخ مبدأ حياد الخدمة المدنية، بحيث تخدم الدولة والمواطن، لا الحكومات والأحزاب. فالحكومات تتغير، أما مؤسسات الدولة فتبقى، واستقرارها هو الضمان الحقيقي لاستمرار التنمية وتحقيق العدالة.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح إداري دون تحديث نظم العمل. فما زالت كثير من مؤسسات الدولة تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية التي تهدر الوقت والمال، بينما يتجه العالم نحو الحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي. إن رقمنة الخدمات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وربط المؤسسات إلكترونيًا، تمثل ضرورة لا ترفًا، لأنها تقلل الفساد، وترفع الكفاءة، وتحسن جودة الخدمات المقدمة للمواطن.
ومن أهم مرتكزات الإصلاح أيضًا الاستثمار في العنصر البشري. فالموظف يحتاج إلى تدريب مستمر يواكب التطورات الإدارية والتقنية، كما يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، وحوافز عادلة، ونظام واضح لتقييم الأداء، يكافئ المجتهد ويحاسب المقصر.
كما ينبغي مراجعة الهياكل التنظيمية للدولة، وإزالة التداخل في الاختصاصات بين المؤسسات، لأن تضارب الصلاحيات يؤدي إلى بطء اتخاذ القرار، ويزيد من الهدر الإداري والمالي. فالإدارة الرشيدة تقوم على الوضوح، وتحديد المسؤوليات، وربط السلطة بالمساءلة.
ومن القضايا المهمة كذلك إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمواطن لا يقيس قوة الدولة بخطاباتها، وإنما بسرعة إنجاز معاملاته، وعدالة قراراتها، واحترام موظفيها له. وكلما كانت الخدمة المدنية أكثر نزاهة وكفاءة، ازدادت ثقة المواطن في دولته، وتعزز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ولا يكتمل إصلاح الخدمة المدنية إلا بإحياء قيمها الأصيلة، وترسيخها في وجدان العاملين بها، وفي مقدمتها الأمانة، والانضباط، والشفافية، وإحترام القانون، والعمل بروح الفريق، وإستشعار أن خدمة المواطن شرف، وأن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية وطنية، وليست تشريفًا أو وسيلةً لتحقيق المصالح الشخصية. فكلما أرتقت قيم الموظف العام، أرتقى أداء المؤسسة، وكلما إرتقى أداء المؤسسات، نهضت الدولة وأستعادت ثقة مواطنيها.
لقد أثبتت تجارب الدول التي نهضت بعد الحروب أن قوة الدولة لا تبدأ من وفرة الموارد الطبيعية، وإنما من وجود مؤسسات عامة كفؤة وإدارة رشيدة قادرة على إستثمار تلك الموارد وتحويلها إلى تنمية حقيقية.
إن السودان يمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهله لإستعادة مكانة خدمته المدنية، سواء داخل الوطن أو بين آلاف الخبراء السودانيين المنتشرين في أنحاء العالم. والمطلوب هو الإستفادة من هذه الطاقات، وإتاحة الفرصة لها للمشاركة في مشروع وطني شامل لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي هذه المرحلة التاريخية، فإن إصلاح الخدمة المدنية ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو مشروع وطني يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، وللقانون مكانته. فالدول تنهض بمؤسسات قوية، وإدارة رشيدة، وبكفاءات مؤهلة تحمل رسالة البناء، وتؤمن بأن خدمة الوطن شرف، وأن الوظيفة العامة أمانة ومسؤولية.
*الخلاصة*
*إذا كانت الحرب قد دمرت جزءًا من البنية التحتية، فإن ضعف الخدمة المدنية يهدد بتعطيل عملية إعادة الإعمار نفسها. لذلك فإن إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء مؤسساته، وفي مقدمتها الخدمة المدنية، لأنها العمود الفقري للدولة، والضامن لاستقامة التنمية، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة بين المواطنين*











إرسال تعليق