بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
أثارت الصحفية عائشة الماجدي، في مقال نشرته بمنصة ‘سبأ ميديا’، قضية سقف التمويل الأصغر المحدد من قبل بنك السودان المركزي، معتبرة أن هذا السقف أصبح غير واقعي في ظل التدهور الكبير في قيمة العملة الوطنية والارتفاع المستمر في مستويات الأسعار، الأمر الذي أضعف القدرة التمويلية للمبالغ المخصصة وجعلها غير كافية لتغطية احتياجات العديد من المشروعات الصغيرة والناشئة.
ولا شك أن هذا الطرح يعكس جانبا مهما من الأزمة، فالتضخم الحاد وتراجع القوة الشرائية للعملة أثّرا بصورة مباشرة على كفاءة التمويل الأصغر، بحيث أصبح مبلغ التمويل يغطي اليوم جزءا محدودا من التكاليف التشغيلية او شراء الاصول للمشروع. غير أن اختزال المشكلة في سقف التمويل وحده قد يقود إلى قراءة ناقصة لطبيعة الأزمة وتعقيداتها. فبنك السودان المركزي، من حيث المبدأ، يضع السقف الأعلى للتمويل الأصغر ضمن السياسات المنظمة للقطاع، بينما تظل مسؤولية تحديد حجم التمويل الفعلي لكل مشروع من اختصاص المصارف ومؤسسات التمويل وفقا لطبيعة النشاط، ودراسة الجدوى، والقدرة على السداد، ومستوى المخاطر المرتبطة بالمشروع. وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بضعف سقف التمويل، وإنما أيضاً بقدرة الجهاز المصرفي نفسه على توفير الموارد اللازمة للاستجابة للطلب المتزايد على التمويل.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، ينبغي النظر إلى القضية من جانبي العرض والطلب معا. فمن ناحية الطلب، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في أعداد طالبي التمويل الأصغر، خاصة وسط فئة الشباب والنازحين والمتضررين من الحرب، مع تراجع فرص العمل التقليدية وانكماش النشاط الاقتصادي. وأصبح التمويل بالنسبة للكثيرين وسيلة للبقاء الاقتصادي أكثر من كونه مجرد أداة للتوسع والاستثمار. أما من ناحية العرض، فقد تراجعت قدرة القطاع المصرفي على توفير التمويل بصورة ملحوظة نتيجة تداعيات الحرب وتعطل النشاط الاقتصادي في عدد كبير من الولايات، إلى جانب توقف بعض مؤسسات التمويل الأصغر أو تقلص نشاطها، فضلا عن تعطل العديد من فروع البنوك وخروجها من الخدمة، وهو ما أدى إلى انكماش الموارد المتاحة للتمويل في وقت تضاعفت فيه الحاجة إليه.
ولذلك، فإن أحد الحلول الممكنة يتمثل في إنشاء محافظ تمويلية متخصصة لدعم التمويل الأصغر، يساهم فيها المصارف وبنك السودان المركزي من موارده الداخليه والقروض والمنح من الدول والمؤسسات الإقليمية والدولية. ويمكن أن توجّه هذه المحافظ نحو القطاعات الإنتاجية ذات الأولوية، مثل الصناعات الصغيرة، والأنشطة الزراعية، والخدمات المرتبطة بالإنتاج المحلي، بما يضمن توسيع قاعدة التمويل وتقليل المخاطر الفردية على المصارف.
كما أن التمويل لا ينبغي أن يظل محصوراً في إطار سقف التمويل الأصغر التقليدي فقط، إذ يمكن للمشروعات الواعدة الحصول على تمويلات أكبر وفق صيغ تمويل مختلفة، شريطة توفر الضمانات المناسبة. وهنا تبرز واحدة من أهم العقبات التي تواجه الشباب، وهي ضعف القدرة على تقديم الضمانات التقليدية التي تطلبها المؤسسات المصرفية، مثل العقارات أو الكفلاء أو الشيكات ذات الملاءة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة فلسفة الضمانات نفسها، عبر منح قدر أكبر من المرونة في قبول الضمانات البديلة، مثل ضمانات المجموعات المتضامنة، أو الاعتماد على أصول المشروع نفسه كضمان، أو التوسع في برامج ضمان مخاطر التمويل التي يمكن أن تشارك فيها الدولة أو مؤسسات الضمان المتخصصة. فالمشكلة الحقيقية ليست في غياب الرغبة لدى الشباب، وإنما في غياب الأدوات التي تمكنهم من الوصول إلى التمويل بصورة عادلة ومنظمة.
كذلك فإن طبيعة بعض المشروعات الإنتاجية تتطلب منح فترات سماح قبل بدء السداد، خاصة الأنشطة التي تحتاج إلى وقت حتى تبدأ في تحقيق التدفقات النقدية والعوائد التشغيلية. إلا أن منح هذه الفترات يجب أن يتم بصورة مدروسة وانتقائية، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل ومحدودية الموارد المتاحة لدى المصارف، بحيث تخصص للمشروعات ذات الجدوى الاقتصادية الواضحة والقادرة على تحقيق عائد يضمن استدامة المشروع وسداد الالتزامات المالية في المستقبل.
وفي نهاية المطاف، فإن إصلاح قطاع التمويل الأصغر في السودان يتطلب معالجة أعمق من مجرد رفع سقف التمويل. فالقضية ترتبط بإعادة بناء البيئة الاقتصادية والمصرفية نفسها، وتحسين استقرار الاقتصاد الكلي، وتوسيع موارد الجهاز المصرفي، وابتكار أدوات تمويل وضمان أكثر مرونة، بما يسمح بتحويل التمويل الأصغر من مجرد وسيلة لمواجهة ضغوط المعيشة إلى أداة حقيقية للإنتاج وخلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد المحلي.











إرسال تعليق