رؤية لإعادة بناء السودان (6)…الشباب… الثروة التي لا تنضب

  • بتاريخ : 5 أغسطس، 2026 - 2:57 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم / م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    تواجه الدول بعد الحروب سؤالاً مصيرياً: من أين تبدأ رحلة التعافي؟ ويذهب كثيرون إلى أن البداية تكون بإعادة بناء الطرق والجسور والمصانع والمرافق العامة، وهي بلا شك ضرورات لا غنى عنها. لكن الحقيقة الأعمق أن كل ذلك لا يصنع نهضة مستدامة ما لم يكن الإنسان المؤهل هو من يقف خلفه. ولذلك فإن الثروة الحقيقية التي يملكها السودان ليست الذهب، ولا النفط، ولا الأراضي الزراعية، وإنما شبابه الذين يمثلون أكبر رصيد استراتيجي لبناء المستقبل.

    لقد أفرزت الحرب تحديات قاسية أمام الشباب؛ فقد تعطلت الدراسة، وازدادت البطالة، واتسعت دائرة الهجرة والنزوح، وفقد كثير منهم فرص التدريب والعمل. ومع ذلك، أثبت الشباب السوداني في الداخل والخارج قدرة كبيرة على التكيف والإبداع والعمل في مختلف الظروف، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في الطاقات، وإنما في غياب البيئة التي تستثمر هذه الطاقات وتوجهها نحو الإنتاج والتنمية.

    ولسنوات طويلة ظل التعليم في السودان يخرّج آلاف الباحثين عن الوظائف الحكومية، بينما أصبح الاقتصاد الحديث يحتاج إلى رواد أعمال، ومبتكرين، ومنشئي شركات، وأصحاب مشروعات صغيرة ومتوسطة. ومن هنا فإن إعادة بناء السودان تستوجب تغيير هذه الثقافة، بحيث يصبح الهدف من التعليم هو إعداد الإنسان المنتج، لا مجرد الباحث عن وظيفة.

    وتمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري لاقتصادات الدول الناجحة، لأنها الأكثر قدرة على خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتنمية الريف، وتقليل الفقر، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وإذا أراد السودان معالجة مشكلة البطالة بصورة جذرية، فعليه أن يجعل تمكين الشباب من إنشاء هذه المشروعات أولوية وطنية، من خلال توفير التمويل الميسر، والتدريب، والإرشاد، وحاضنات الأعمال، وضمانات التمويل، والتسويق، ونقل التكنولوجيا.

    كما أن من الضروري إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني والتدريب المهني، بعد أن ظل لسنوات طويلة يعاني من ضعف الاهتمام. فلا يمكن بناء صناعة قوية، أو نهضة زراعية، أو بنية تحتية متطورة، دون فنيين مهرة وتقنيين مؤهلين. إن الأمم الصناعية لم تصل إلى ما وصلت إليه بكثرة الشهادات النظرية وحدها، وإنما ببناء قاعدة واسعة من الكفاءات الفنية القادرة على الإنتاج والإبداع.

    ولا يكفي تطوير التعليم وحده، بل يجب أيضاً ربط الجامعات ومراكز البحوث باحتياجات الاقتصاد الوطني، حتى تتحول المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وتصبح البحوث العلمية حلولاً لمشكلات الزراعة والصناعة والطاقة والمياه والتعدين، بدلاً من أن تبقى حبيسة الأدراج. فالدول التي تقدمت لم تجعل الجامعة مؤسسة تمنح الشهادات فقط، وإنما جعلتها شريكاً مباشراً في التنمية.

    ومن المهم كذلك توجيه الشباب نحو الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الموارد المحلية، خاصة الصناعات الغذائية، والتحويلية، والهندسية، والدوائية، وصناعات الجلود، والغابات، والصمغ العربي، بما يسهم في إحلال الواردات، وزيادة الصادرات، ورفع القيمة المضافة للموارد السودانية، بدلاً من تصديرها خاماً.

    ولأن الاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي، فإن الاستثمار في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات، والعمل عن بُعد، وريادة الأعمال التقنية، لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة استراتيجية. وقد أثبت كثير من الشباب السوداني قدرتهم على المنافسة في الأسواق العالمية متى ما توفرت لهم المعرفة والأدوات المناسبة.

    إن الدولة مطالبة بوضع سياسة وطنية متكاملة لتمكين الشباب، تتكامل فيها جهود التعليم، والقطاع الخاص، والبنوك، ومؤسسات التمويل، ومراكز التدريب، حتى تتحول طاقات الشباب إلى قوة إنتاج حقيقية. كما أن القطاع الخاص ينبغي أن يكون شريكاً أساسياً في التدريب والتوظيف ونقل الخبرات، لأن التنمية مسؤولية مشتركة وليست مسؤولية الحكومة وحدها.

    وفي المقابل، تقع على الشباب أنفسهم مسؤولية كبيرة، تتمثل في الإيمان بالعمل والإنتاج، واكتساب المهارات الجديدة، والابتعاد عن ثقافة انتظار الفرص، والاتجاه إلى صناعتها. فالعالم اليوم يكافئ المجتهد والمبدع، لا من ينتظر أن تأتيه الفرصة وهو جالس.

    إن السودان وهو يخطط لمرحلة ما بعد الحرب، أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاده على أسس جديدة، يكون فيها الإنسان هو محور التنمية، والشباب هم القوة المحركة لها. وإذا نجحنا في بناء جيل متعلم، ومؤهل، ومنتج، ومبدع، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لدولة قوية، واقتصاد متنوع، ومجتمع مستقر.

    *إن الاستثمار في الشباب ليس بنداً من بنود الإنفاق، بل هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة. فالموارد الطبيعية قد تنضب، والأسواق قد تتغير، أما الإنسان المتعلم المبدع فإنه يظل الثروة التي تتجدد مع كل جيل، والقوة التي تصنع المستقبل، والضمان الحقيقي لنهضة السودان واستقراره وازدهاره.*

    *تنويه*

    تندرج هذه المقالة ضمن سلسلة “*رؤية لإعادة بناء السودان*”، وهي سلسلة تتناول أهم القضايا الوطنية التي أرى أنها تمثل ركائز النهوض بالدولة في مرحلة ما بعد الحرب، من خلال طرح رؤى عملية قابلة للنقاش والتطوير.

    وأعتزم – بإذن الله – بعد اكتمال هذه السلسلة، مراجعة مقالاتها وتوسيعها وإثرائها بالمراجع والأمثلة والتجارب المقارنة، ثم جمعها في ملف او كتاب واحد يحمل عنوان “*رؤية لإعادة بناء السودان*”، ليكون مساهمة متواضعة في الحوار الوطني حول مستقبل السودان، ومرجعًا لكل من يعنيه أمر بناء الدولة على أسس العلم والكفاءة والعدالة والتنمية المستدامة.