لكم كل الترحيب بين اهلنا في ولاية سنار ونشكر لكم زيارتكم المتكررة لها وننظر إلى هذه الزيارات باعتبارها فرصة مهمة للوقوف على أحوال اهلنا والاستماع إلى أصواتهم والاقتراب من واقعهم بعيداً عن التقارير المكتوبة والأرقام المجردة فالمواطن في المناطق المتأثرة بالأزمات لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه وإنما يحتاج إلى من يصل إليه ويجلس معه ويسمع منه ويرى بعينيه تفاصيل الحياة اليومية التي أصبحت أكثر قسوة في كثير من المناطق
ونحن إذ نرحب بزيارتكم المتكررة لسنار نأمل أن تتسع دائرة هذه الزيارات لتشمل مناطق سكر سنار فهناك قرى كثيرة ظلت تعاني خلال الفترة الماضية من آثار النزوح وتحملت الأسر فيها ظروفاً قاسية تركت آثارها على الإنسان والأرض ومصادر الرزق لقد اضطر كثير من المواطنين إلى ترك قراهم ومزارعهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان تاركين وراءهم حياة كاملة لم يكن من السهل التخلي عنها والكثير من هذه القري كان اهلها يعملون بمصنع سكر سنار وهو الان متوقف بفعل ما اصابه من جراء هذه المليشيا الغاشمة وبالتالي فقد اهل هذه المناطق مصدر رزقهم
ان النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو تجربة إنسانية قاسية تفقد فيها الأسرة جزءاً كبيراً من استقرارها وقد تفقد مصدر رزقها ومدخراتها وممتلكاتها ويضطر الأطفال إلى الابتعاد عن مدارسهم، ويتوقف كثير من النشاط الزراعي والتجاري وتصبح العودة نفسها رحلة مليئة بالتحديات
واليوم وبعد كل ما مر به أهل تلك المناطق تبرز مشكلة جديدة ربما تكون أكثر هدوءاً في ظاهرها لكنها شديدة الخطورة في آثارها وهي جفاف الأرض وعدم ظهور مؤشرات مطمئنة للموسم الزراعي فالمزارع الذي كان ينتظر الخريف باعتباره فرصة لاستعادة حياته ومصدر رزقه يجد نفسه أمام أرض عطشى وموسم غير مبشر، بينما لا تزال آثار النزوح والفقدان حاضرة في حياة الكثير من الأسر
إن إنسان مناطق سكر سنار يعيش بين أمل العودة إلى حياة مستقرة وقلق المستقبل فهو يريد أن يعود إلى أرضه وأن يزرعها وأن يوفر لأسرته الغذاء من عرقه وجهده لكنه يحتاج إلى ظروف تساعده على ذلك والموسم الزراعي بالنسبة لأهل الريف ليس مجرد موسم عابر وإنما هو أساس الحياة ومصدر الغذاء والدخل ونجاحه يعني الكثير للأسرة والمجتمع بينما فشله أو ضعفه يفتح الباب أمام مزيد من الحاجة والفقر والاعتماد على المساعدات
ولهذا فإن التعامل مع أوضاع هذه المناطق ينبغي ألا يقتصر على تقديم المساعدات الغذائية العاجلة على أهميتها وضرورتها وإنما يجب أن ينظر إلى الصورة كاملة فالإنسان الذي فقد مصدر رزقه يحتاج إلى المساعدة اليوم لكنه يحتاج أيضاً إلى وسيلة يستعيد بها قدرته على الإنتاج غدا والمزارع الذي عاد إلى أرضه يحتاج إلى البذور والمدخلات الزراعية والمياه والوسائل التي تمكنه من إعادة تشغيل أرضه واستعادة حياته الطبيعية
ومن هنا تأتي أهمية أن تحظى مناطق سكر سنار بزيارة ميدانية من الجهات المسؤولة عن العون الإنساني وأن يتم الاستماع إلى الأهالي مباشرة ومعرفة حجم الاحتياجات الحقيقية لكل منطقة، خاصة أن احتياجات القرى ليست واحدة وأن بعض المناطق قد تكون أكثر تأثراً من غيرها بالنزوح والجفاف وضعف الموسم الزراعي
إن الوصول إلى المواطن في قريته يحمل رسالة إنسانية كبيرة فعندما يرى المواطن المسؤول بين أهله، يستمع إلى شكواه ويتعرف على ظروفه يشعر بأن هناك من يشاركه همومه وأن معاناته لم تُنسَ كما أن الزيارة الميدانية تساعد في بناء صورة أكثر دقة عن الواقع وتتيح توجيه الدعم بصورة أكثر فاعلية إلى المناطق التي تحتاج إليه فعلاً.
وفي مناطق سكر سنار، لا نريد أن تتحول آثار النزوح إلى أزمة مستمرة ولا نريد أن يتحول ضعف الموسم الزراعي إلى موجة جديدة من المعاناة. المطلوب هو التحرك المبكر قبل أن تتفاقم الأوضاع لأن الوقاية والاستجابة المبكرة أقل كلفة وأكثر أثراً من انتظار وصول الأزمة إلى مراحلها الصعبة.
كما أن دعم المجتمعات المحلية يجب أن يراعي خصوصية الريف واعتماده الكبير على الزراعة والثروة الحيوانية والأنشطة المرتبطة بهما ولذلك فإن توفير الغذاء والمياه والخدمات الساسية يجب أن يسير بالتوازي مع دعم الإنتاج حتى يتمكن المواطن من الانتقال تدريجياً من مرحلة الاحتياج إلى مرحلة الاعتماد على الذات
ونحن لا نطرح هذه المناشدة من باب الشكوى فقط، وإنما من باب الحرص على أن تصل الرسالة إلى من يملك القدرة على المساعدة والتنسيق فأهل مناطق سكر سنار يريدون أن يعيشوا على أرضهم وأن يزرعوا ويعملوا وينتجوا ولا يريدون أن يكونوا عالة على أحد. وكل ما يحتاجونه هو أن تمتد إليهم يد العون في هذه المرحلة الصعبة حتى يستعيدوا قدرتهم على الوقوف على أقدامهم
إن مناطق سكر سنار عرفت عبر تاريخها بأنها مناطق الزراعة والإنتاج وأهلها ارتبطوا بالأرض ارتباطاً عميقاً ولذلك فإن حماية الإنسان في الريف ودعم قدرته على الإنتاج يمثلان جزءاً أساسياً من حماية المجتمع نفسه وإذا نجحنا في مساعدة الأسر النازحة والعائدة على استعادة مصادر رزقها فإننا لا نقدم لها مساعدة مؤقتة فحسب بل نساهم في بناء الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية.
ومن هنا نجدد ترحيبنا بمفوضة العون الإنساني في بين اهلنا ونأمل أن تكون زياراتها القادمة فرصة للانتقال إلى مناطق سكر سنار والوقوف على أحوال المواطنين هناك نأمل أن ترى بنفسها الأرض التي تعاني من الجفاف وأن تستمع إلى المزارع الذي ينتظر المطر وإلى الأسرة التي عانت من النزوح، وإلى الأطفال الذين يحتاجون إلى الغذاء والتعليم والأمان وإلى المجتمع الذي يحاول أن يستعيد حياته بعد سنوات صعبة.
إن أهل مناطق سكر سنار لا يطلبون المستحيل وإنما يطلبون أن تُرى معاناتهم وأن تصل إليهم المساعدة في الوقت المناسب يريدون أن يجدوا الماء، والغذاء ومدخلات الزراعة والخدمات الأساسية ويريدون أن يشعروا بأنهم جزء أصيل من اهتمام الدولة والمنظمات والجهات الإنسانية.
ولذلك فإن رسالتنا بسيطة وواضحة تعالوا إلى مناطق سكر سنار، اقتربوا من الناس اسمعوا أصواتهم شاهدوا واقعهم، وساعدوا في معالجة احتياجاتهم قبل أن تتفاقم فهناك أسر أنهكها النزوح، وأرض عطشى وموسم زراعي لا تبدو مؤشراته مطمئنة، وكل يوم يمر دون تدخل مناسب قد يزيد من معاناتهم
إن الوقوف مع إنسان مناطق سكر سنار اليوم هو وقوف مع الاستقرار والإنتاج والأمل في الغد ورسالتنا إلى كل الجهات الإنسانية أن تضع هذه القرى في دائرة اهتمامها وأن تعمل على أن تصل المساعدة إلى مستحقيها وأن يتحول الدعم من مجرد استجابة للأزمة إلى جسر يعبر بالمواطن من النزوح والحاجة إلى الاستقرار والإنتاج والحياة الكريمة







إرسال تعليق