رسم خبير الطيران ، الكابتن سيف مرزوق صورة قاتمة لواقع الطيران في السودان بعد ماحاق به من دمار البنية التحتية، من طائرات ومطارات وأجهزة ملاحة، إلى هجرة الكوادر الوطنية.
وأضاف من كل ذلك تبرز حقيقة يجب التوقف عندها بجدية، وهي ضرورة إعادة تأهيل وتقييم الكوادر الوطنية البشرية في مجال النقل الجوي وصناعة الطيران عامة.
زاد في مقال له : بعد هذه الحرب المدمرة، ينبغي أن يخضع العاملون في قطاع الطيران إلى عمليات تقييم وتأهيل تضاهي المعايير الإقليمية والدولية، سواء للطيارين أو المهندسين أو أطقم الضيافة الجوية أو العاملين في العمليات الأرضية، إضافة إلى جميع العاملين في قطاع الملاحة الجوية، وما يقع عليهم من مسؤوليات لا تقل أهمية عن مسؤوليات الأطقم الجوية من الطيارين، مشيرا الى قطاع أمن الطيران، الذي يجب أن يحظى بصورة مستمرة بالتأهيل والتدريب على أحدث التقنيات المتقدمة لتأمين المنافذ، دخولاً وخروجاً، بالمطارات، إلى جانب إعادة تأهيل العاملين في مجال الأرصاد الجوية، ومدهم بالأجهزة الحديثة التي تمكنهم من أداء مهامهم وفق المعايير المطلوبة.
وتساءل مرزوق: لماذا تتعامل الدولة السودانية، منذ الاستقلال، بفوقية وعدم تقدير أو اهتمام كافٍ بصناعة النقل الجوي عامة، وبكوادرها البشرية خاصة؟
عندما نجد العكس تماماً في دول الخليج وأوروبا وأمريكا والشرق الأقصى وأفريقيا، حيث تحظى الكوادر السودانية في قطاع الطيران بكل التقدير والاحترام والإشادة بكفاءتها.
والحقيقة أن البيئة في السودان، في مجال النقل الجوي، طاردة جداً، سواء من حيث استمرارية التأهيل والتدريب أو من حيث التقييم المادي والمعنوي للكوادر.
وفي هذه السانحة أذكر واقعتين.
وتابع : في العام 1993، قمت بإرسال إعلان في الصحف اليومية لطلب تعيين طيارين لطائرات فوكرز 27، على أن يتم، في حال عدم وجود كوادر سودانية، استقدام طيارين أجانب، حسب توجيهات سلطات مكتب العمل آنذاك.
وكان الراتب المعروض 1500 دولار للطيار. وبالفعل تقدم عدد من الإخوة الطيارين السودانيين للعمل، فإذا بوزير النقل وقتها يتصل ويندد بالإعلان، ويطلب إلغاءه، بل ويطالب بتخفيض الراتب ليضاهي الرواتب المحلية في ذلك الوقت.
وزاد: رفضتُ طلب السيد الوزير، وبالفعل تم تعيين طيارين وكوادر وطنية، وقمنا بإرسالهم إلى هولندا للتدريب التشبيهي.وعندما تم ترفيع بعضهم من مساعدين لكباتن إلى طيارين، حسب رؤية مركز التدريب بشركة فوكرز، قامت الدنيا ولم تقعد في السودان.والحقيقة أنهم كانوا من أكفأ الشباب، ولم تكن أعمارهم تتجاوز 35 عاماً.
وتكرر المشهد عندما قمنا، في العام 2003، بتقييم رواتب طياري طائرات بوينغ 737 وفقاً لما كان معمولاً به إقليمياً، وكان الراتب في حدود 3 آلاف دولار.
واضاف : الشاهد أننا الآن في العام 2026، وبعد هذه الحرب وما مرت به كوادر الطيران عامة من مآسٍ وحوادث وظروف قاسية، يجب أن تتم إعادة تقييم شاملة للكوادر صحياً وفنياً، ومن ثم تقييمها مادياً ومعنوياً.
فكيف نضع هذه المسؤوليات الجسام على بشر تحاصرهم كل ضغوط الحياة القاهرة، ويكافحون من أجل إعالة أسرهم بالكفاف، من ملبس ومشرب وعلاج ومدارس وسكن، في ظل جشع وغلاء في الأسعار ضربا كل أركان البلاد؟
كيف يستوي أن نطالب هؤلاء بمكافحة الفساد وسد المنافذ ومنع التهريب، بينما يعيش العاملون في بعض هذه القطاعات تحت مستوى الفقر، دون تقدير أو تقييم يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم؟
وفي الوقت نفسه، نجد أن التعيينات والمحاصصات وتوزيع الحوافز والرواتب المجزية يجري على قدم وساق.
علماً بأن موارد صناعة الطيران، من المطارات ورسوم العبور والهبوط والخدمات وأمن الطيران، كبيرة جداً، وتعتبر رافداً مهماً للاقتصاد والدولة.






إرسال تعليق