قهوتي || شذى عبد الله طه
أعرف أشخاصًا تغيرت حياتهم كلها، إلا نظرتهم لأنفسهم. تجاوزوا مراحل كاملة من أعمارهم، وخاضوا تجارب لا تشبه ما كانوا عليه في البدايات، لكنهم ما زالوا يقدمون أنفسهم للعالم بعيون قديمة. كأن السنوات لم تفعل شيئًا، وكأن الزمن مر على الجميع وتوقف عندهم.
بعض الناس لا يعيشون في الماضي لأنهم يحبونه، بل لأنهم لم يغادروه أصلًا. حادثة واحدة، قرار واحد، خسارة واحدة، أو خطأ واحد، ثم يبدأ العمر كله بالدوران حول تلك النقطة. كل نجاح لاحق يصبح هامشيًا، وكل تغير يحدث في الشخصية يُهمل، وكل نضج يمر بلا انتباه، لأن العقل ما زال يردد الحكاية نفسها.
الغريب أن الإنسان يمنح نفسه أحيانًا أحكامًا لا يمنحها لأشد الناس خطأً. يسامح الآخرين، ويفهم ظروفهم، ويلتمس لهم الأعذار، لكنه حين يصل إلى نفسه يتحول إلى قاضٍ لا يعرف الرحمة. كأن الخطأ الذي حدث قبل سنوات ما زال قائمًا حتى هذه اللحظة، وكأن النسخة القديمة منه هي النسخة الوحيدة المعترف بها.
لكن الحياة لا تتعامل معنا بهذه القسوة. فالنهر لا يُلام لأنه لم يبقَ كما كان عند منبعه، والشجرة لا تعتذر لأنها لم تعد بذرة، والإنسان أيضًا لا يُفترض به أن يبقى أسير أول نسخة من نفسه.
أحيانًا أنظر إلى بعض ما كنت أؤمن به قبل سنوات فأبتسم. ليس سخرية من نفسي، بل امتنانًا للمسافة التي قطعتها. فلو بقيت كما كنت، لكان ذلك هو الفشل الحقيقي. النضج ليس أن تكون بلا أخطاء، النضج أن تتوقف عن تعريف نفسك بها.
والماضي، مهما كان ثقيلًا، لا يملك سلطة البقاء إلا إذا منحناه نحن هذه السلطة. ربما لهذا لا يؤلمني أن أتذكر بعض الطرق التي سرت فيها خطأ، يؤلمني فقط أن أرى من ما زال واقفًا عند أول عثرة، رغم أن الطريق امتد أمامه سنوات طويلة.
ليس لأن الماضي بلا قيمة، بل لأن قيمته الحقيقية تكمن في أنه مرّ، وفي أنه ترك فينا ما يكفي من الحكمة لنكمل السير. أما الذين يصرون على العودة إليه كل يوم، فلا يعيشون ذكرياتهم بقدر ما يعيشون أحكامهم القديمة على أنفسهم، وهذا أثقل من الماضي نفسه.
في النهاية، لا تكن سجينًا لماضيك. فالسجن الحقيقي ليس ما حدث بالأمس، السجن الحقيقي أن تُقنع نفسك أنك ما زلت ذلك الشخص، رغم كل ما تعلمته منذ ذلك الحين.
قهوتي -أحب- شربها- باردة











إرسال تعليق