حين يصبح السلام مشروعًا يُبنى، لا أزمةً نبحث عن مخرج منها

  • بتاريخ : 15 سبتمبر، 2026 - 2:20 م
  • الزيارات : 40
  • بقلم: د. مختار خضر بشراب
    (كاتب وباحث في الإدارة والهندسة الاستراتيجية للموارد البشرية والتحول المؤسسي)

    اعتدنا أن نتحدث عن السلام كما لو أنه محطة نصل إليها بعد أن تنتهي الرحلة الصعبة؛ ننتظر أن تتوقف المواجهات، ثم نعلن أن السلام قد جاء، ونبدأ بعدها في التفكير فيما ينبغي فعله. لكن ماذا لو كان هذا التصور نفسه جزءًا من المشكلة؟ ماذا لو كان السلام الحقيقي لا يبدأ عندما تنتهي الحرب، وإنما في اللحظة التي نكتشف فيها أن الطريق الذي نسير فيه يمكن أن يقود إليها، فنغير اتجاهنا قبل فوات الأوان؟
    ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ونحن نفكر في مستقبل السودان. ليس السؤال فقط: كيف ننهي الصراع؟ وإنما: كيف نجعل الوصول إلى الصراع أصعب من الوصول إلى الحوار؟ وكيف نعرف أن المجتمع بدأ يتحرك في اتجاه خطير قبل أن يصبح التراجع مكلفًا؟ وكيف نمنح العقل السياسي والاجتماعي فرصة ليرى المشهد كاملًا، بدل أن ينتظر حتى يصبح الحدث أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليه؟
    فالأزمات الكبرى لا تظهر عادةً في لحظة واحدة. قبل الانفجار توجد إشارات، وقبل القطيعة توجد مسافات تتسع ببطء، وقبل أن يتحول الاختلاف إلى خصومة قد تمر فترات طويلة تتراكم خلالها مواقف صغيرة، وكلمات عابرة، ومخاوف متبادلة، ومصالح متعارضة، وتصورات متناقضة عن المستقبل. المشكلة ليست دائمًا في غياب الإشارات، وإنما في أننا لا نقرأها في الوقت المناسب، أو نراها منفصلة بينما هي في الحقيقة أجزاء من صورة واحدة.
    وهنا تتغير فكرة السلام من كونها رد فعل إلى كونها قدرة على الاستباق. المجتمع الأكثر أمنًا ليس بالضرورة المجتمع الذي لا توجد فيه خلافات، وإنما المجتمع الذي يمتلك القدرة على اكتشاف اللحظة التي تبدأ فيها الخلافات بالتحول إلى شيء آخر. فالاختلاف طبيعي، والمنافسة طبيعية، وحتى التوتر جزء من الحياة السياسية والاجتماعية؛ لكن الخطورة تبدأ عندما تتغير طبيعة العلاقة بين الأطراف، وعندما يصبح الآخر في نظر كل طرف مشكلة يجب التخلص منها بدل أن يكون شريكًا في وطن واحد.
    ومن هنا يمكن أن نفكر في السلام بطريقة مختلفة: باعتباره نوعًا من الذكاء الجماعي. أن يعرف المجتمع متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتدخل، ومتى يعيد النظر في موقفه، ومتى يدرك أن الاستمرار في الطريق نفسه قد يقوده إلى نتيجة لا يريدها أحد. فالسلام ليس ضعفًا أمام الخلاف، وإنما قدرة على إدارة الخلاف قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح.
    وقد يكون السودان، بكل ما يحمله من تنوع وتعقيد وتجارب سياسية واجتماعية، بحاجة إلى هذا النوع من التفكير أكثر من حاجته إلى الشعارات. نحن لا نحتاج إلى وطن بلا اختلاف؛ فهذا غير ممكن. نحتاج إلى وطن يعرف كيف يجعل الاختلاف منتجًا بدل أن يجعله مدمرًا. نحتاج إلى مساحة يستطيع فيها الناس أن يختلفوا حول السلطة والسياسة والمصالح والرؤى، دون أن يصبح اختلافهم حكمًا نهائيًا على علاقتهم ببعضهم.
    وهذا يقودنا إلى فكرة ربما لم تأخذ حقها من التفكير: السلام يحتاج إلى معلومات جيدة بقدر ما يحتاج إلى نوايا جيدة. ففي عالم أصبحت فيه المعلومة أسرع من قدرتنا على التحقق منها، يمكن لخبر غير دقيق أن يسبق الحقيقة، ويمكن لرواية ناقصة أن تصنع موقفًا كاملًا، ويمكن لمعلومة مجهولة المصدر أن تؤثر في آلاف الأشخاص قبل أن يعرف أحد أصلها. لم يعد الصراع يتشكل فقط في الميدان؛ يمكن أن يبدأ في العقول، ويتوسع في الفضاء العام، ويتحول إلى قناعة اجتماعية قبل أن يظهر في الواقع.
    لذلك فإن حماية السلام القادم ستحتاج إلى قدرة مختلفة على قراءة المشهد العام، لا بهدف السيطرة على الناس، وإنما بهدف فهم ما يحدث بينهم. أن نعرف أين تتصاعد مشاعر القلق، وأين تنتشر الروايات التي تزيد الانقسام، وأين تظهر فجوات في التواصل، وأين يصبح الحوار أقل قدرة على الوصول إلى الناس. هذه ليست دعوة إلى مراقبة المجتمع، وإنما إلى تطوير قدرة معرفية تساعده على فهم نفسه قبل أن يفقد القدرة على ذلك.
    وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح المستقبل مختلفًا عن الماضي. فالتقنية لم تعد مجرد وسيلة لتسريع العمل أو تسهيل الاتصال؛ أصبحت قادرة على التعامل مع كميات هائلة من المعلومات، واكتشاف أنماط يصعب على الإنسان رؤيتها منفردًا، وربط أحداث تبدو في ظاهرها غير مترابطة. وهذه القدرة قد تفتح أمامنا بابًا جديدًا في التفكير في السلام: ماذا لو استطعنا أن نقرأ مؤشرات التوتر كما نقرأ مؤشرات الطقس؟ ماذا لو أمكننا أن نعرف أن شيئًا ما يتجه نحو العاصفة قبل أن تصل العاصفة؟
    لكن السؤال هنا ليس: هل نستطيع؟ فقط.
    السؤال الأهم هو: هل سنستخدم هذه القدرة بحكمة؟
    فكل أداة يمكن أن تساعد على حماية السلام يمكن، إذا أسيء استخدامها، أن تتحول إلى أداة للسيطرة أو التضليل أو التلاعب. ولذلك فإن المستقبل لن يحتاج إلى تكنولوجيا أكثر ذكاءً فقط، وإنما إلى إنسان أكثر مسؤولية في استخدامها. المعرفة التي لا تحكمها القيم قد تصبح خطرًا جديدًا، والتقنية التي لا تحترم الإنسان قد تزيد المشكلة التي جاءت لحلها.
    ولهذا فإن صناعة السلام القادم قد تبدأ من تغيير بسيط في طريقة تفكيرنا: ألا ننتظر الكارثة حتى نتحرك. أن نتعلم من الإشارات الصغيرة قبل أن تصبح أحداثًا كبيرة. أن نقرأ التغيرات في المجتمع قبل أن تتحول إلى انقسامات. أن نفتح قنوات الحوار قبل أن تصبح الكلمات مستحيلة. وأن نستخدم المعرفة لا لكي نعرف من يختلف معنا، وإنما لكي نفهم لماذا يختلف، وما الذي يمكن أن يمنع الاختلاف من التحول إلى قطيعة.
    ربما يكون هذا هو الفارق بين السلام الذي يأتي بعد الحرب والسلام الذي يمنع الحرب. الأول يعالج النتيجة، أما الثاني فيتعلم كيف يقرأ الطريق المؤدي إليها.
    ومن هنا، قد يكون السؤال الذي سنحتاج إلى طرحه في المستقبل ليس فقط: كيف نصنع السلام؟ وإنما:
    كيف نجعل مجتمعنا أكثر قدرة على اكتشاف ما يهدد السلام قبل أن يصبح تهديدًا؟
    وفي عالم تتقدم فيه أدوات التحليل والمعرفة بسرعة مذهلة، يفرض علينا ذلك سؤالًا جديدًا لم يكن متاحًا للأجيال السابقة بهذه الصورة:
    هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرى الحرب قبل أن تبدأ؟
    وإذا كان قادرًا على قراءة بعض الإشارات التي قد لا يستطيع الإنسان رؤيتها منفردًا، فربما لا يكون السؤال الحقيقي عن مدى ذكائه، وإنما عن قدرتنا نحن على استخدام هذا الذكاء في الاتجاه الصحيح.
    كيف يمكن أن نستخدم التكنولوجيا لصناعة السلام القادم؟
    ربما تكون هذه واحدة من أهم الأسئلة التي ينبغي أن نبدأ في التفكير فيها الآن، لا عندما تصبح الحرب خبرًا، بل قبل أن تصبح احتمالًا.