حين يصبح الإنتاج مفتاحاً لاستعادة قيمة الجنيه

  • بتاريخ : 20 سبتمبر، 2026 - 11:28 ص
  • الزيارات : 14
  • بقلم / سمير سيد عثمان

    هناك أرقامٌ نقرأها ونمضي في يومنا كأنها لا تعنينا ،، وأرقامٌ أخرى لا تكتفي بأن تُقرأ ،، بل تدخل البيوت ،، وتجلس على موائد الناس ،، وتعيد ترتيب حساباتهم دون استئذان ..

    وسعر الصرف واحدٌ من هذه الأرقام الثقيلة ،، رقمٌ قد يبدو صغيراً على شاشة السوق ،، لكنه يصبح كبيراً جداً حين يتحول إلى فاتورةٍ لا تستطيع الأسرة تحملها ،، أو راتبٍ يتراجع أمام الأسعار ،، أو مشروعٍ يتوقف لأن تكلفة مدخلاته تجاوزت قدرته على الاستمرار ..

    ولأننا اعتدنا أن نراقب الدولار كل صباح ،، أصبح السؤال الأكثر حضوراً :
    *كيف نخفض سعر الدولار؟* لكن ماذا لو كان السؤال نفسه يحتاج إلى أن يتغير؟ ماذا لو كان الطريق إلى استقرار العملة يبدأ من المصنع لا من السوق؟

    قد يبدو الأمر بعيداً عن سوق الصرف ،، لكنه يلامس جوهر العلاقة بين قيمة العملة وقوة الاقتصاد ..

    فالعملة لا تستمد قوتها من الإجراءات النقدية وحدها ،، وإنما من اقتصادٍ قادر على الإنتاج ،، وتوفير ما يحتاجه من النقد الأجنبي عبر صادراته وموارده .، ومن هنا ،، فإن معركة استقرار الجنيه لا ينبغي أن تُدار كلها في سوق النقد الأجنبي ،، لأن ما يحدث هناك هو في جانبٍ كبير منه انعكاس لما يحدث في الاقتصاد الحقيقي ..

    حين ننتج أقل مما نستهلك ،، نستورد أكثر ..
    وحين نستورد أكثر ،، نحتاج إلى الدولار أكثر ..
    وحين تتزايد الحاجة إليه دون أن تنمو مصادره بالقدر نفسه ،، تتسع الضغوط على سعر الصرف ،، فتعود إلينا من الباب الآخر،، تكلفة مدخلات أعلى ،، وإنتاجٌ أكثر كلفة ،، وأسعارٌ ترتفع ،، وقوةٌ شرائية تتراجع ..

    وهكذا تكتمل الدائرة :
    ضعف الإنتاج يضغط على العملة ،، وضعف العملة يرفع تكلفة الإنتاج ..
    ولذلك ربما يكون السؤال الأجدى :
    *كيف نقلل حاجتنا إلى الدولار؟*

    وهنا تبدأ الحكاية من المصنع .. فالمصنع ليس مجرد مبنىً تقف داخله الآلات ،، بل سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ بالتمويل والمدخلات والطاقة ،، وتمتد إلى العمال والنقل والتوزيع والأسواق ،، وتنتهي بسلعةٍ تصل إلى يد المواطن ..

    وعندما يتوقف المصنع ،، لا تتوقف الآلات وحدها ،، تتعطل وظائف ،، وتتحرك سلاسل التوريد في اتجاهٍ آخر ،، ويبحث السوق عن البديل المستورد ،، فندخل مرة أخرى إلى سوق النقد الأجنبي ..

    وإذا تكرر الأمر في عشرات السلع ،، يصبح الضغط على العملة أكبر من أن تعالجه إجراءاتٌ جزئية ..

    لذلك فإن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة ،، وتأهيل خطوط الإنتاج المتضررة ،، ومساعدة المشروعات القابلة للحياة على العودة إلى النشاط ،، ليست مهمة تخص وزارة الصناعة وحدها ..

    إنها جزء من سياسة اقتصادية تستهدف استعادة التوازن نفسه ..

    فالمصنع الذي يعود إلى العمل لا ينتج سلعةً فقط ،، إنه يعيد وظيفة ،، ويحرك مورداً ،، ويقلل الحاجة إلى سلعة مستوردة ،، وقد يتحول مع الوقت إلى مصدرٍ للنقد الأجنبي ..

    وهنا تتضح قيمة الإنتاج ..
    السودان لا يفتقر إلى الموارد التي يمكن أن تبني اقتصاداً قوياً :
    أرضٌ واسعة ،، وموارد زراعية ،، وثروة حيوانية ،، ومعادن ،، وموقع جغرافي يمنحنا فرصاً في التجارة الإقليمية ..
    لكن الموارد وحدها لا تصنع الثروة ،، الثروة تبدأ عندما تتحول الموارد إلى قيمة ..

    فالمحصول يمكن أن يخرج خاماً ،، ويمكن أن يتحول إلى غذاءٍ مصنّع ذي قيمة أعلى ..
    والثروة الحيوانية يمكن أن تنشأ حولها صناعات اللحوم والألبان والجلود ..

    والتعدين لا ينبغي أن يكون طموحنا فيه دائماً استخراج الخام وتصديره بينما نترك القيمة الأكبر لغيرنا ..

    وكلما أضفنا قيمةً إلى مواردنا داخل السودان ،، خلقنا وظائف أكثر،، وزدنا الدخل ،، وفتحنا أبواباً جديدة للتصدير ..

    لكن الإنتاج لا يعمل بالأمنيات .. فالمصنع يحتاج إلى تمويلٍ مناسب ،، وطاقةٍ مستقرة ،، ومدخلاتٍ متاحة ،، وطرقٍ وأسواق ،، وتشريعاتٍ واضحة ..

    وهنا يظهر الدور الحقيقي *للقطاع المصرفي* ،، فالتمويل ليست قيمته في انتقاله من حساب إلى آخر ،، بل في تحوله إلى مصنعٍ يعمل ،، أو مزرعةٍ تنتج ،، أو خط إنتاجٍ يعود إلى الخدمة ..

    ولذلك نحتاج إلى علاقةٍ أكثر عمقاً بين المصارف والقطاع الإنتاجي ،، علاقة لا تنتهي عند منح التمويل ،، وإنما تمتد إلى متابعة المشروع وقياس أثره على الإنتاج والتشغيل ..

    ويأتي ملف الطاقة ليضع شرطاً آخر أمام الصناعة ..
    فالمصنع الذي يعتمد على مولداتٍ ووقودٍ مرتفع التكلفة لا يستطيع أن ينافس مصنعاً يعمل بطاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة ،، وفي النهاية يدفع المستهلك جزءاً من هذه التكلفة داخل سعر المنتج ..

    لذلك فإن توفير الطاقة للمناطق الصناعية ليس تحسيناً لخدمة ،، بل استثمار مباشر في خفض تكلفة الإنتاج ورفع القدرة التنافسية ..

    وقد تكون الطاقة الشمسية والحلول اللامركزية فرصةً مهمة في بلدٍ يملك إمكانات كبيرة في هذا المجال ،، إذا أُدير الاستثمار فيها ضمن رؤيةٍ صناعية واضحة ..

    لكن هل يعني ذلك أن نغلق أبواب الاستيراد؟ بالتأكيد لا ..
    فالاقتصاد المنتج يحتاج إلى استيراد الآلات والتكنولوجيا والمعدات التي تساعده على زيادة إنتاجه ..

    المشكلة ليست في الاستيراد ذاته ،، وإنما في أن يتحول إلى بديلٍ دائم عن الإنتاج ..

    هناك فرقٌ كبير بين أن نستورد آلةً تساعد مصنعاً سودانياً على إنتاج سلعة ،، وبين أن نستورد السلعة نفسها عاماً بعد عام بينما يتراجع المنتج المحلي ..

    الأول يستخدم النقد الأجنبي لبناء قدرة إنتاجية ،، والثاني يستخدمه لتلبية الاستهلاك ..

    ولهذا فإن المطلوب ليس محاربة الاستيراد ،، بل إعادة ترتيب أولوياته ،، وربط السياسة التجارية بالسياسة الإنتاجية ،، بحيث يصبح الاستيراد جسراً نحو الإنتاج لا بديلاً عنه ..

    وعلى الجانب الآخر من المعادلة ،، تأتي الصادرات ..

    فإذا كان تقليل الواردات يخفف الطلب على العملات الأجنبية ،، فإن زيادة الصادرات تساعد على توفيرها ..
    لكن زيادة الصادرات لا تبدأ عند الميناء ،، بل في المزرعة والمصنع ..

    فالسوق الخارجي لا يبحث عن المنتج السوداني لمجرد أنه سوداني ،، إنه يبحث عن الجودة ،، والسعر المنافس ،، والقدرة على الوفاء بالعقود ،، واستمرارية الإمداد ..

    وهذا يعني أن بناء الصادرات يبدأ ببناء إنتاجٍ قادر على المنافسة ..

    وفي قلب هذه المعادلة كلها تقف قيمة لا تظهر في ميزانيات الشركات ولا في تقارير البنوك ،، لكنها ربما تكون أهم من كثير من الأرقام :
    *الثقة*.. ثقة المستثمر في القرار ،، وثقة المنتج في التمويل ،، وثقة المصدر في النظام المصرفي ،، وثقة المواطن في عملته ،، وثقة الجميع في أن القواعد الاقتصادية واضحة وقابلة للتوقع ..

    فالاقتصاد الذي يفقد الثقة يصبح أكثر تكلفة ،، حتى لو امتلك الموارد ..
    ولهذا فإن استعادة الثقة ليست مهمةً إعلامية أو شعاراً مؤقتاً ،، بل هدفاً اقتصادياً له أدواته :
    وضوح السياسات ،، واستقرار التشريعات ،، وسرعة الإجراءات ،، وكفاءة النظام المصرفي ،، وربط القرارات الاقتصادية بأثرها الحقيقي على السوق والمواطن ..

    ومن هنا ،، أعتقد أن السودان يحتاج اليوم إلى ما هو أكبر من إجراءاتٍ متفرقة ..
    نحتاج إلى خارطة طريق للإنتاج ،، تتفق عليها المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية ،، تحدد القطاعات التي يمكن أن تقود التعافي ،، والمصانع القابلة لإعادة التشغيل ،، والمشروعات التي تحتاج إلى تمويل ،، واحتياجات الطاقة ،، والسلع التي يمكن إحلال إنتاج محلي محلها ،، والمنتجات التي يمكن أن تصبح صادرات ..

    ويجب ألا تبقى هذه الخارطة حبراً على ورق ،، ينبغي أن تتحول إلى برامج تمويل ،، وحوافز إنتاج ،، وتسهيلات ضريبية وجمركية مدروسة ،، وطاقة متاحة ،، وإجراءات أسرع ،، وأسواق أكثر انضباطاً..
    والأهم أن نقيس نجاحها بما يحدث على الأرض :
    *كم مصنعاً عاد إلى العمل؟* *كم فرصة عمل خُلقت؟* *كم سلعة استطعنا إنتاجها بدلاً من استيرادها؟* *وكم دولاراً استطعنا توفيره من خلال الإنتاج والتصدير؟*

    وفي النهاية ،، لا ينبغي أن يكون المواطن مجرد متلقٍ لنتائج السياسات الاقتصادية ،، بل يجب أن يكون هو معيار نجاحها ..
    فالسياسة التي تزيد الإنتاج ولا يشعر المواطن بأثرها تحتاج إلى مراجعة ..

    والإصلاح الذي يخفض تكلفة الإنتاج ويزيد فرص العمل ويحسن توفر السلع ،، هو الإصلاح الذي يستحق أن يستمر ..

    بعد كل ما مر به السودان ،، ربما لا نملك رفاهية الاستمرار في معالجة كل مشكلة بمعزل عن الأخرى ..

    فأزمة العملة مرتبطة بالإنتاج ،، والإنتاج مرتبط بالتمويل والطاقة ،، والتمويل مرتبط بالثقة ،، والصناعة مرتبطة بالزراعة والتجارة والتصدير ،، وكل هذه الحلقات تصب في حياة المواطن ..

    ولذلك ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال الذي نطرحه كل صباح ..
    بدلاً من أن نسأل فقط :
    كم بلغ الدولار اليوم؟ فلنسأل أيضاً : *كم مصنعاً يعمل اليوم؟*
    فهذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من الرقم الذي يظهر على شاشة السوق ..
    لأن استقرار العملة لا يُبنى بمطاردة أعراض الأزمة ،، وإنما بمعالجة الأسباب التي تجعل الطلب على النقد الأجنبي أكبر من قدرة الاقتصاد على توفيره ..
    ولأن الجنيه لن يستعيد قوته بمجرد أن نتمنى له ذلك ،، وإنما عندما يجد خلفه اقتصاداً قوياً ينتج ،، ويصدر ،، ويوفر فرص العمل ،، ويخلق القيمة المضافة ..

    وهنا تأتي الرسالة التي أظن أن المرحلة تفرضها علينا جميعاً ،، خصوصاً على القائمين على أمر الدولة :
    تحفيز الإنتاج ليس خياراً قطاعياً يمكن تأجيله ،، إنه قرار اقتصادي وطني ..

    فكل مصنع يُعاد تشغيله خطوة في طريق الاستقرار ،، وكل مزرعةٍ تنتج أكثر خطوة في طريق تقليل الواردات ،، وكل منتجٍ يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية موردٌ جديد للعملة ،، وكل وظيفةٍ تُخلق حماية لأسرةٍ سودانية من ضغوط الحياة ..

    وربما أجمل ما نطمح إليه ليس أن نستيقظ فنجد الدولار قد انخفض ،، بل أن نستيقظ فنجد اقتصادنا قد أصبح أقوى من أن تهزه كل موجة ..

    عندها لن نكون منشغلين بمطاردة الدولار في السوق ..

    بل سنكون قد بنينا اقتصاداً يجعل الدولار هو الذي يبحث عن منتجات السودان ..
    وهناك تحديداً ،، يبدأ استقرار العملة من المكان الذي يصنع الاستقرار الحقيقي :
    *من المصنع*.

    سمير سيد عثمان