من مقال المهندس الإمام عبداللطيف إلى الممارسة السياسية عندالمهندس عثمان عبد الماجد فرج
حين تكون المعارضة عملاً وطنياً لا خصومة مع الوطن
بقلم/ الطيب شيقوق- المحامي والمستشار القانوني
قرأت مقال الأخ م. م. الإمام عبداللطيف الإمام بعنوان «عندما تصبح المعارضة السياسية خطراً على الوطن»، فوجدت فيه سؤالاً يتجاوز حدود السياسة اليومية، ليصل إلى جوهر الأزمة السودانية: متى تكون المعارضة عملاً وطنياً مشروعاً، ومتى تتحول إلى خصومة مع الوطن نفسه؟
فالمعارضة في أصلها ليست عيباً ولا خروجاً على مقتضيات الوطنية، بل هي حق مشروع وضرورة من ضرورات الحياة السياسية السليمة؛ إذ لا تستقيم الدولة إلا بوجود من يراقب أداء السلطة، وينتقد أخطاءها، ويكشف مواطن الخلل فيها، ويطرح البدائل.


لكن المشكلة لا تبدأ من المعارضة، وإنما من الغاية و الوسيلة. فالذي يعارض لأنه يريد دولة أفضل، ليس كالذي يجعل إسقاط خصمه السياسي غايته، ولو كان الثمن إضعاف الدولة نفسها. والذي ينتقد حكومته من داخل وطنه، حريصاً على سلامة مؤسساته ومجتمعه، ليس كالذي يجعل من الخارج أداة ضغط أو ساحة لمعركته السياسية، ثم لا يبالي بما قد يترتب على ذلك من آثار على بلاده.
ومن هنا استوقفتني الممارسة السياسية للأخ الباشمهندس عثمان عبد الماجد القيادي في الحزب الشيوعي.
فقد كان بإمكانه، وهو صاحب موقف سياسي واضح، أن يجعل من السياسة شغله الشاغل، وأن يكتفي بالحديث والنقد من على المنابر، لكنه اختار طريقاً مختلفاً؛ ظل منتجاً ومزارعاً وفاعلاً في مجتمعه، يمارس حقه في الاختلاف وإبداء الرأي، وفي الوقت نفسه يشارك في بناء المجتمع الذي ينتمي إليه. ولم يرَ في المعارضة السياسية سبباً للتنصل من المسؤولية الوطنية، بل ظل يؤمن بأن خدمة الناس والإنتاج والعمل في الأرض يمكن أن تكون، في حد ذاتها، شكلاً من أشكال الوطنية، وأن الاختلاف مع السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الوطن.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
لم يعمد عثمان إلى تزهيد الناس في ديارهم بحجة الخلاف مع الحاكم، بل ظل يدعوهم بلسان المقال والفعال إلى مغادرة سياج الجدل العقيم والانصراف إلى إعمار الأرض وتنمية الإنتاج، محولاً الخطاب السياسي من مادة للشحن والشلل إلى دافع للبناء والبقاء؛ وهي لفتة تختزل الرؤية الحقيقية للمواطنة المسؤولة.
فالوطن لا يُبنى بالمعارضة وحدها، كما لا يُبنى بالحكومة وحدها. الوطن يُبنى عندما يؤدي كل طرف دوره، وعندما تكون السياسة وسيلة لخدمة المجتمع، لا غاية تستنزف المجتمع.
قد نختلف مع عثمان في توجهاته السياسية، وقد نتفق معه في بعضها الآخر، لكن قيمة النموذج لا تتوقف على الاتفاق أو الاختلاف معه. المهم أن تجربته تطرح أمامنا سؤالاً جديراً بالتأمل: هل تستطيع أن تعارض السلطة دون أن تعادي الدولة؟
الإجابة ينبغي أن تكون نعم.
بل إن هذه هي المعارضة التي تحتاج إليها الدول في أوقات الأزمات: معارضة تراقب، وتنبه، وتنتقد، وتكشف الخلل، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الدولة ليست هي الحكومة، وأن إسقاط الحكومة لا يعني بالضرورة إسقاط الدولة. فالسلطة عابرة، أما الوطن فباقٍ. والحكومة تتغير، أما مؤسسات الدولة ومصالح الناس فهي التي يجب أن تبقى.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية هو أن تختلط الخصومة مع الحكومة بالخصومة مع الوطن، وأن يصبح فشل السلطة مكسباً للمعارض، حتى لو كان ثمن ذلك مزيداً من الفوضى والدمار.
وهنا تحديداً تتقاطع تجربة عثمان عبد الماجد مع الفكرة التي طرحها مقال الإمام عبداللطيف الإمام.
فالمعارضة الوطنية لا تُقاس فقط بحدة الخطاب، ولا بعدد البيانات، ولا بحجم الهجوم على السلطة؛ وإنما تُقاس أيضاً بما تقدمه للمجتمع، وبمدى استعداد صاحبها لتحمل المسؤولية، وبقدرته على أن يظل جزءاً من نسيج الوطن حتى وهو يختلف مع حكومته.
أن تقول للسلطة: أخطأتِ، شيء. وأن تقول للوطن: لأن حكومتك أخطأت، فلينهار كل شيء، شيء آخر تماماً. وبين الموقفين مسافة أخلاقية ووطنية كبيرة.
لقد عانى السودان طويلاً من اختزال السياسة في معادلة: إما أن تكون معنا، وإما أن تكون ضدنا. وهذه الثنائية هي التي أضعفت المجال العام وأفسدت معنى المعارضة. فليس كل من انتقد الحكومة عميلاً، كما أن ليس كل من عارض السلطة وطنياً بالضرورة.
المعيار ليس مع من تقف سياسياً، وإنما ماذا تفعل عندما تختلف سياسياً؟
هل تحافظ على وطنك وأنت تعارض؟
هل تحمي مجتمعك وأنت تطالب بالتغيير؟
هل ترفض الخطأ دون أن تتمنى الانهيار؟
هل تبحث عن الإصلاح أم عن الانتقام؟
وهنا أجد تجربة الأخ عثمان جديرة بالتوقف عندها مرة أخرى. فقد اختار أن يمارس اختلافه السياسي وهو باقٍ في مجتمعه، يعمل في أرضه، وينتج، ويتعامل مع الناس، ويشاركهم حياتهم اليومية. لم يجعل السياسة مهنة تعفيه من بقية واجباته الوطنية.
وهذا في حد ذاته درس مهم.
فربما آن للسودانيين أن يعيدوا اكتشاف مفهوم آخر للمعارضة: المعارضة التي تعمل وهي تنتقد، وتنتج وهي تختلف، وتبني وهي تطالب بالتغيير. معارضة لا ترى أن الوطن ملك للحكومة، فلا تسلمه للحكومة وحدها؛ ولا ترى في الوقت ذاته أن الوطن يصبح مباحاً لمجرد أنها اختلفت مع الحكومة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من تجربة الأخ عثمان أن العمل الوطني أوسع من السياسة. فالذي يزرع أرضاً، ويخدم مجتمعه، ويساهم في الإنتاج، ويحافظ على مؤسساته، ويشارك الناس حياتهم اليومية، يمارس شكلاً من أشكال السياسة الوطنية وإن لم يصعد إلى منصة سياسية واحدة.
فالمعارضة ليست فقط أن تقول ما لا يعجب السلطة؛ المعارضة الحقيقية أن تمتلك أيضاً تصوراً لما يجب أن يكون عليه الوطن، وأن تسهم في تحقيقه.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات التي لا تنتهي، بقدر ما يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة تفصل بين الحكومة والدولة، وبين السلطة والوطن، وبين الاختلاف السياسي والعداء الوطني.
نحتاج إلى معارض يقول للحكومة: سأحاسبك، وسأنتقدك، وسأختلف معك، ولكنني لن أسمح بأن يكون الوطن هو ثمن خلافنا.
ونحتاج في المقابل إلى سلطة تدرك أن المعارضة ليست خيانة، وأن النقد ليس مؤامرة، وأن المواطن الذي يختلف معها قد يكون في بعض الأحيان أكثر حرصاً على إصلاحها من أولئك الذين يصفقون لها.
أما عثمان عبد الماجد، فإن تجربته ــ بعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفه السياسية ــ تقدم صورة تستحق التأمل:
أن تكون معارضاً للسلطة، دون أن تصبح معارضاً للوطن. وأن تقول كلمتك، ثم تمضي إلى حقلك. تعارض بالكلمة، وتبني بالفعل.
فالحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، والمعارضون يختلفون ويتصالحون، لكن الأرض تبقى، والناس يبقون، والوطن وحده هو الخالد بإذن الله تعالى.







إرسال تعليق