حتى أنت يا خبير الاقتصاد.. الخلل الإداري هو سبب الأزمة الاقتصادية وانفلات سعر الصرف؟

  • بتاريخ : 17 سبتمبر، 2026 - 6:12 م
  • الزيارات : 24
  • هل أزمة سعر الصرف في السودان أزمة إدارة أم أزمة حرب وانهيار اقتصادي أوسع؟

    بقلم/ السفير الصادق المقلي

    *( 1 )*

    *( A )*

    هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق أي وصفة لعلاج الانفلات الجنوني في سعر الصرف. فهل ما يحدث للجنيه السوداني هو في الأساس نتيجة خلل إداري يمكن علاجه بمزيد من الرقابة واللجان وملاحقة تجار العملة ومهربي الذهب وتغيير العملة؟ أم أننا أمام أزمة أعمق وأوسع، صنعتها الحرب وما ترتب عليها من انهيار في الإنتاج، وتراجع الصادرات، وشح النقد الأجنبي، وتوقف الاستثمار، واضطراب الجهاز المصرفي، وانقسام الدولة جغرافياً، وتراجع علاقاتها مع شركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية؟
    الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة العلاج. فإذا كان المرض إدارياً في المقام الأول، فالإجراءات الإدارية قد تكون هي المدخل الأساسي للعلاج. أما إذا كان أصل المرض هو الحرب وانهيار الاقتصاد الحقيقي وشح موارد النقد الأجنبي، فإن الإجراءات الإدارية ــ مهما كانت أهميتها ــ ستظل عاجزة عن معالجة أصل الداء.
    وأرى أن علامة الاستفهام في نهاية العنوان الرئيسي مهمة؛ فهي تجعل العنوان نقدياً واستفهامياً، ولا تحسم النتيجة قبل أن يقدم المقال حجته.

    لقد عجبتُ لأمر الدكتور محمد الناير، الذي تقدمه قناة «الحدث» بوصفه خبيراً اقتصادياً وأستاذاً للاقتصاد في الجامعات، وهو يعزو الانفلات الجنوني في سعر الصرف، في جانب أساسي منه، إلى أسباب إدارية.
    قد نتفهم أن يعزو عثمان ميرغني الأزمة الاقتصادية إلى خلل إداري، فهو دارس لعلوم الحاسوب وليس الاقتصاد. لكن أن يقع أستاذ اقتصاد في التشخيص نفسه، فهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل الأزمة الاقتصادية السودانية الراهنة مجرد أزمة إدارة؟
    وهل يمكن تفسير الانهيار المتسارع للجنيه السوداني بملاحقة تجار العملة ومهربي الذهب، أو بتشكيل لجنة طوارئ تعمل على مدار الساعة؟
    يقول الدكتور الناير، بحسب ما نُقل عنه، إن الحكومة لم تطبق بصورة كافية الإجراءات التي سبق أن اتخذتها ضد تجار العملة ومن وصفهم بـ«مخربي الاقتصاد»، وكذلك ضد مهربي الذهب.
    وأشار أيضاً إلى أن الحكومة تحدثت عن إنتاج للذهب يبلغ نحو 70 طناً، بينما لم يتم تصدير سوى نحو 20 طناً عبر القنوات الرسمية، بما يعني ــ وفق هذا الطرح ــ أن نحو 50 طناً لم تدخل عبر القنوات الرسمية.
    كما أشار إلى وجود كميات كبيرة من العملة المحلية خارج الجهاز المصرفي، وأن جزءاً منها ربما خرج من المصارف نتيجة عمليات النهب التي صاحبت الحرب.
    كل هذه قضايا حقيقية ومهمة، ولا ينبغي تجاهلها.
    لكنها، في رأيي، ليست أصل الداء.
    فالسؤال الاقتصادي الأهم هو: لماذا انهار عرض النقد الأجنبي في السودان أصلاً؟
    وللإجابة، علينا أن ننظر إلى الاقتصاد السوداني في ظروفه الحالية، لا كما لو كان اقتصاد دولة مستقرة تملك حكومة واحدة السيطرة الكاملة على أراضيها ومواردها ومنافذها.
    السودان يعيش حرباً دخلت عامها الرابع.
    والحرب لم تدمر المباني والمؤسسات فقط، وإنما ضربت دورة الاقتصاد نفسها.
    توقف أو انكمش الإنتاج.
    تضررت الزراعة والصناعة والتجارة.
    توقف جزء كبير من القطاع الخاص.
    تراجعت الصادرات.
    توقفت أو تعطلت الاستثمارات الأجنبية.
    تضررت علاقات السودان مع شركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية.
    وتراجعت قدرة الدولة على السيطرة على مواردها ومنافذها.
    وهذه ليست مشكلات إدارية عابرة.
    هذه صدمات اقتصادية وهيكلية ضخمة.
    فكيف يمكن أن نتوقع استقرار سعر الصرف في اقتصاد يتراجع فيه الإنتاج والصادر، بينما يزداد الطلب على النقد الأجنبي؟
    المعادلة في أبسط صورها واضحة:

    تراجع الإنتاج و الصادرات… شح النقد الأجنبي…. زيادة الطلب على الدولار…… اتساع الفجوة بين العرض والطلب… تراجع قيمة الجنيه…. ارتفاع الأسعار والتضخم.

    هنا يأتي السؤال:
    هل تستطيع لجنة طوارئ، مهما كان عدد ساعات انعقادها، أن تنتج دولاراً غير موجود في الاقتصاد؟
    وهل تستطيع ملاحقة تجار العملة أن تعيد الإنتاج الذي توقف بسبب الحرب؟
    وهل تستطيع مكافحة تهريب الذهب وحدها أن تعيد المستثمر الأجنبي إلى السودان؟
    بالطبع، مكافحة التهريب مهمة.
    ومحاربة المضاربة غير المشروعة مهمة.
    وضبط سوق الصرف وإصلاح الجهاز المصرفي أمور ضرورية.
    لكنها إجراءات لمعالجة الأعراض أو الحد من تفاقمها، وليست علاجاً لجذر الأزمة.