تعليق علي مقال مولانا الطيب شيقوق* *السودان اولاً

  • بتاريخ : 4 نوفمبر، 2026 - 10:34 ص
  • الزيارات : 18
  • بقلم / م م الإمام عبداللطيف الإمام
    المدينة المنورة

    قرأت مقالك القيّم «السودان أولاً… حين تتقدم مصلحة الوطن على الحسابات السياسية» باهتمام بالغ، ووجدت فيه طرحاً وطنياً مسؤولاً، يتسم برصانة اللغة وعمق الرؤية ونضج الموقف السياسي. وهو من المقالات التي لا تكتفي بتوصيف الواقع، وإنما تنفذ إلى جوهر الأزمة، وتضع أمام القارئ أسئلة مهمة تتعلق بمستقبل الوطن ومصير أبنائه.

    أكثر ما لفت انتباهي أنك انطلقت من مبدأ ينبغي أن يكون حاكماً لكل ممارسة سياسية، وهو أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأهم من الحسابات الضيقة. فالسياسة، كما أحسنت توصيفها، ليست مجرد صراع على السلطة، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية تستوجب تقدير العواقب وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والحزبية.

    وأحسب أنك وضعت يدك على واحدة من أخطر إشكالات ممارستنا السياسية، وهي الخلط بين الثبات على المبادئ والتصلب في المواقف. فهناك فارق كبير بين أن يتمسك السياسي بمبادئه الوطنية، وبين أن يتحول موقفه إلى غاية في ذاته لا تقبل المراجعة مهما تعاظمت الخسائر. فالحكمة ليست في أن ينتصر الإنسان لرأيه، وإنما في أن ينتصر للحق والمصلحة الوطنية، حتى لو اقتضى ذلك مراجعة موقف سابق.

    وأتفق معك تماماً في أن الانتصار العسكري، على أهميته وضرورته لاستعادة سلطة الدولة وسيادتها، لا ينبغي أن يكون نهاية التفكير. فاستعادة الأرض والمؤسسات خطوة أساسية، لكنها لا تكفي وحدها. الانتصار الحقيقي هو أن نحول نتائج المعركة إلى مشروع وطني شامل، يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، ويعالج الاختلالات التي قادتنا إلى هذه الكارثة.

    وهنا تبرز أهمية التمييز بين إنهاء الحرب وإنهاء أسباب الحرب. فقد تتوقف العمليات العسكرية، لكن جذور الأزمة تظل قائمة إذا لم نعالج اختلالات الحكم وضعف المؤسسات وغياب العدالة وتسييس أجهزة الدولة وانتشار السلاح خارج إطارها.

    ومن النقاط المهمة التي أضاء عليها مقالك العلاقة بين السلام والعدالة. فالسلام الذي يتجاوز حقوق الضحايا لن يكون سلاماً مستداماً. وفي المقابل، فإن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى شعار انتقامي. المطلوب عدالة مؤسسية مستقلة تنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين وفق القانون وتؤسس لعدم تكرار المأساة.

    وأضيف إلى ما تفضلت به أن السودان بعد هذه الحرب لن يكون بحاجة إلى مجرد تسوية تعيد ترتيب مواقع القوى المتنافسة، بقدر حاجته إلى عقد وطني جديد، تتوافق عليه القوى الوطنية حول طبيعة الدولة التي نريدها؛ دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال القضاء ومهنية القوات النظامية واستقلال الخدمة المدنية وعدالة توزيع السلطة والثروة واحترام التنوع الذي يمثل إحدى أهم خصائص السودان ومصادر قوته.

    كما أن بناء هذه الدولة يتطلب ألا نعيد إنتاج أسباب الانهيار نفسها تحت عناوين جديدة. فلا يجوز أن نخرج من حرب استنزفت البلاد لنعود إلى المحاصصات وتغليب الولاءات وتقديم المصالح الحزبية على الكفاءة.

    ولعل من أهم ما ينبغي أن نتعلمه أن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بمجرد استعادة هيبتها الأمنية، وإنما تستمد قوتها الحقيقية من ثقة مواطنيها في مؤسساتها وشعورهم بالعدالة وإدراكهم أن هذه الدولة ملك لهم جميعاً، وليست امتيازاً لفئة أو حزب.

    وقد أعجبني بصفة خاصة تأكيدك أن الشجاعة السياسية قد تكون في مراجعة القرار والاعتراف بالخطأ. وهذه قيمة نفتقدها كثيراً؛ إذ كثيراً ما تتحول المواقف إلى معارك كرامة شخصية، ويصبح التراجع عن الخطأ أصعب عند صاحبه من تحمل الوطن لتبعاته.

    وأقولها من جوار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، من المدينة المنورة التي علمتنا أن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان والمؤسسة قبل بناء الجدران: إن ما يحتاجه السودان اليوم هو هجرة حقيقية، هجرة من عقلية الغنيمة إلى عقلية الدولة، ومن منطق الانتقام إلى منطق البناء، ومن ضيق الحزب إلى سعة الوطن.

    إن الشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً من دمه وأمنه، يستحق أن تكون تضحياته بداية لعهد جديد، لا مجرد فصل مؤلم في تاريخ الأزمات. يستحق دولة تحميه ولا تخيفه، ومؤسسات تخدمه ولا تستغله، وعدالة لا تفرق بين مواطن وآخر.

    لقد كان موفقاً اختيارك لعنوان «السودان أولاً»، فهو ليس مجرد عنوان جميل، بل ينبغي أن يكون قاعدة حاكمة لكل موقف. ومعناه الحقيقي أن نضع مصلحة الوطن فوق مصالحنا، وأن نحتكم إلى القانون بدلاً من القوة، وإلى الحوار بدلاً من الإقصاء، وإلى المؤسسات بدلاً من الأفراد.

    شكراً لك مولانا الطيب على هذا الطرح الرصين والمسؤول. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس فقط: كيف ننتصر في هذه الحرب؟ بل: كيف نبني وطناً لا يضطر أبناؤه إلى خوض حرب أخرى؟