حكومة الأمل وإعادة بناء الدولة.. 22 وزارة لا تكفي وحدها، بل نحتاج إلى جهاز حكومي كفء ومنتج

  • بتاريخ : 4 نوفمبر، 2026 - 11:21 ص
  • الزيارات : 19
  • بقلم: د. سعاد فقيري

    ليست نهضة الدول بكثرة الوزارات، ولا بعدد المؤسسات والهيئات والمجالس التي تحمل أسماء كبيرة، وإنما بقدرة الجهاز الحكومي على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات، وحماية المال العام، وتحقيق العدالة بين المواطنين والعاملين في مؤسسات الدولة.
    ومن هنا تبرز أهمية الهيكل الوزاري لحكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس، الذي يقوم على 22 وزارة اتحادية، في خطوة تستهدف تقليص الترهل الإداري، ودمج الاختصاصات المتداخلة، والانتقال إلى حكومة أكثر رشاقة وكفاءة.
    غير أن تقليص عدد الوزارات، على أهميته، لا يمثل الإصلاح الإداري الكامل؛ فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم وزارة لدينا؟ وإنما: كم مؤسسة وهيئة ومصلحة وشركة وصندوقاً ومشروعاً قومياً تعمل تحت مظلة هذه الوزارات؟ وما حجم العاملين فيها؟ وما تكلفة تشغيلها؟ وما العائد الحقيقي الذي تقدمه للمواطن والاقتصاد الوطني؟
    إن إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب تتطلب الانتقال من إصلاح شكل الحكومة إلى إصلاح بنيتها الإدارية والمالية والتنفيذية، ومن تعدد المؤسسات إلى تكامل الاختصاصات، ومن الإنفاق على الجهاز الحكومي إلى توظيفه في الإنتاج والتنمية.
    أولاً: من حكومة الوزارات إلى حكومة المؤسسات
    قد تكون لدينا 22 وزارة، ولكن خلف كل وزارة شبكة واسعة من المؤسسات والوحدات التنفيذية التي تتطلب المراجعة والتقييم وإعادة التنظيم.
    فوزارة المالية، مثلاً، لا تقتصر مهمتها على إعداد الموازنة، بل ترتبط بإدارة الخزانة والضرائب والجمارك والحسابات والمشتريات والدين العام.
    ووزارة الزراعة ليست مجرد مكتب للوزير، وإنما تمتد مسؤولياتها إلى البحوث الزراعية والري والمشروعات الزراعية الكبرى والإرشاد والتمويل والتسويق.
    أما وزارة التعليم العالي، فتتصل بالجامعات الحكومية ومؤسسات البحث العلمي والتقويم والاعتماد، بينما تمتد مسؤوليات وزارة الخارجية إلى الإدارات المركزية والسفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية.
    وهنا تبرز ضرورة إعداد خريطة مؤسسية شاملة للدولة، تحدد لكل وحدة حكومية تبعيتها القانونية والإدارية والمالية، واختصاصاتها، وعلاقتها بالوزارة المعنية، مع المحافظة على استقلال المؤسسات التي منحها القانون شخصية اعتبارية أو استقلالاً خاصاً.
    فلا يعقل أن تستمر مؤسسات متعددة في أداء الاختصاص نفسه، أو أن تتوزع المسؤولية بين أكثر من جهة دون مساءلة واضحة.
    ثانياً: أين تذهب أموال الدولة؟
    إن أول متطلبات الإصلاح الحقيقي هو معرفة التكلفة الفعلية للجهاز الحكومي.
    نحتاج إلى قاعدة بيانات قومية موحدة تشمل جميع الوحدات الحكومية الاتحادية، وتوضح عدد العاملين في كل مؤسسة، والوظائف المعتمدة، والدرجات الوظيفية، والمرتبات والبدلات والمخصصات، والميزانيات السنوية، والإيرادات التي تحققها تلك المؤسسات.
    كما ينبغي مراجعة مجالس الإدارات، والعضويات المتعددة، والوظائف القيادية المتكررة، والمكاتب التي لا تضيف قيمة حقيقية إلى الأداء الحكومي.
    إن المال العام أمانة، وكل مورد يُصرف دون عائد أو مبرر إداري واضح هو مورد كان يمكن توجيهه إلى مدرسة أو مستشفى أو محطة مياه أو طريق أو مشروع زراعي.
    ولا يعني ذلك إلغاء المؤسسات لمجرد أنها تستهلك ميزانية، وإنما تقييم ضرورتها وجدواها وقدرتها على أداء دورها، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأنها وفق القانون.
    ثالثاً: العاملون في الدولة.. الإصلاح بالإنصاف لا بالإقصاء
    هذا هو الجانب الإنساني والوظيفي الذي ينبغي ألا يغيب عن مشروع إعادة الهيكلة.
    لدينا موظفون وعمال وأصحاب خبرات قضوا سنوات طويلة في خدمة الدولة، وهناك من ينتظرون الترقيات، ومن تعطلت حقوقهم الوظيفية بسبب الحرب، ومن يعملون في مواقع لا تتناسب مع مؤهلاتهم وخبراتهم.
    ولذلك فإن إعادة الهيكلة ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لإقصاء العاملين أو تصفية الحسابات، بل إلى فرصة لإعادة توزيع الكفاءات، ومعالجة التكدس، وتسوية الأوضاع الوظيفية وفق القانون.
    و إجراء مراجعة شاملة للوظائف والدرجات، ووضع برنامج عادل للترقيات والتدريب وإعادة التأهيل، وتحديث بطاقات الوصف الوظيفي، وربط الترقية بالكفاءة والخبرة والأداء.
    كما ينبغي ألا يُحرم العامل من حقه في الترفيع أو التسوية الوظيفية بسبب فقدان ملفه أو تعطل مؤسسته أثناء الحرب، متى أمكن إثبات خدمته ومستحقاته بالوثائق والسجلات البديلة.
    إن العامل الذي أفنى عمره في خدمة الدولة ليس عبئاً على الإصلاح، بل هو أحد أهم أصولها البشرية، والاستثمار في خبراته جزء من إعادة بناء السودان.
    رابعاً: التحول الرقمي.. الطريق إلى الإدارة الحديثة ومحاربة الفساد
    لا يمكن بناء خدمة مدنية حديثة باستخدام ملفات ورقية متفرقة وإجراءات طويلة تسمح بتعدد الوسطاء وتضارب المعلومات.
    ومن هنا ينبغي أن يكون التحول الرقمي أحد الأعمدة الأساسية لإصلاح الجهاز الحكومي، من خلال:
    – إنشاء سجل قومي موحد للعاملين بالدولة.
    – إنشاء نظام إلكتروني للمرتبات والاستحقاقات.
    – إعداد قاعدة بيانات للوظائف والدرجات والترقيات.
    – إنشاء نظام موحد للمشتريات والعقود الحكومية.
    – رقمنة القرارات والملفات الوظيفية والأرشيف الحكومي.
    – اعتماد نظام إلكتروني لقياس أداء المؤسسات والوحدات الحكومية.
    وعندما تصبح البيانات موحدة وقابلة للمراجعة، تتراجع فرص التلاعب، ويسهل اكتشاف مواطن الخلل، وتصبح المحاسبة أكثر فاعلية وشفافية.
    فالتحول الرقمي ليس مجرد تحديث للأجهزة والبرامج، بل إعادة صياغة لطريقة إدارة الدولة.
    خامساً: من المؤسسات المستهلكة إلى المؤسسات المنتجة
    ليس كل جهاز حكومي عبئاً على الميزانية، فهناك مؤسسات يمكن أن تتحول إلى محركات للنمو والإنتاج إذا أُحسن تنظيمها وإدارتها.
    فالمؤسسات الزراعية ينبغي أن تسهم في زيادة الإنتاج والصادرات، ومؤسسات التعدين في تعظيم القيمة المضافة والعائد القومي، ومؤسسات النقل في تسهيل حركة التجارة، ومؤسسات الصناعة في إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات.
    كما ينبغي مراجعة الشركات الحكومية التي تعمل في النشاط نفسه، ودراسة إمكانية دمج إداراتها أو إعادة تنظيمها، مع المحافظة على المنافسة والشفافية ومنع الاحتكار.
    إن المطلوب ليس دولة تتوسع في إنشاء المؤسسات، بل دولة تعرف كيف تجعل مؤسساتها القائمة أكثر إنتاجاً وكفاءة.
    سادساً: من المسؤول عن قيادة الإصلاح؟
    تشكيل لجنة قومية عليا لإصلاح الجهاز التنفيذي للدولة، تعمل تحت إشراف مجلس الوزراء، وبالتنسيق مع وزارات المالية والموارد البشرية والرعاية الاجتماعية والتحول الرقمي والاتصالات والعدل.
    وتتولى اللجنة المهام الآتية:
    1. حصر جميع الوزارات والوحدات والمؤسسات الاتحادية.
    2. تحديد التبعية القانونية والإدارية والمالية لكل وحدة.
    3. مراجعة الهياكل والوظائف والدرجات الوظيفية.
    4. تحديد المؤسسات المتداخلة في الاختصاصات.
    5. دراسة خيارات الدمج أو إعادة التنظيم أو الإلغاء وفق القانون.
    6. مراجعة الإنفاق الحكومي والمرتبات والمخصصات.
    7. إعداد قاعدة بيانات قومية للعاملين بالدولة.
    8. وضع برنامج زمني لتطوير الخدمة المدنية.
    9. إعداد مؤشرات أداء قابلة للقياس.
    10. نشر تقارير دورية عن نتائج الإصلاح.
    ولا بد أن يكون لهذا العمل سقف زمني واضح، حتى لا تتحول لجان الإصلاح نفسها إلى هياكل إضافية تستهلك الوقت والمال.
    سابعاً: ماذا نريد من حكومة الأمل؟
    نريد من حكومة الدكتور كامل إدريس أن تجعل الإصلاح الإداري مشروعاً وطنياً يتجاوز حدود إعادة توزيع الحقائب الوزارية.
    نريد جهازاً حكومياً واضح الاختصاصات، لا تتنازع مؤسساته الصلاحيات، ولا تتكرر فيه الإدارات والوظائف دون مبرر.
    نريد خدمة مدنية تقوم على الكفاءة والجدارة، وتحفظ حقوق العاملين، وتفتح المجال أمام الشباب والخبرات الوطنية.
    نريد ميزانية شفافة، ومؤسسات خاضعة للمراجعة والمساءلة، وشركات حكومية تسهم في الإنتاج بدلاً من أن تكون مجرد أبواب للصرف.
    ونريد تحولاً رقمياً يختصر زمن المعاملات، ويقلل فرص الفساد، ويعيد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
    ختاماً: الدولة القوية تبدأ من مؤسساتها
    إن السودان الذي نريده بعد الحرب لا يحتاج إلى تضخم إداري جديد، ولا إلى حكومات موازية، ولا إلى مؤسسات تتنازع الاختصاصات، وإنما يحتاج إلى دولة مؤسسات تعرف ماذا تريد، ومن المسؤول عن التنفيذ، وكيف تقيس النتائج.
    إن 22 وزارة يمكن أن تكون نواة لجهاز تنفيذي حديث، إذا امتد الإصلاح إلى الوحدات المرتبطة بها، ووُضعت الكفاءات في مواقعها الصحيحة، وحُفظت حقوق العاملين، وأُخضع المال العام للرقابة والمساءلة.
    فالإصلاح الإداري ليس تقليصاً للأسماء، ولا مجرد إلغاء للهيئات، وإنما إعادة بناء للعقل التنفيذي للدولة، واستثمار في الإنسان، وترشيد للموارد، وتحويل للمؤسسات إلى أدوات حقيقية للتنمية.
    *الوطن فوق كل اعتبار.. ونهضة السودان تبدأ من إصلاح مؤسساته.*