المستشار د. عبد العظيم حسن يكتب : انتقام ترامب

  • بتاريخ : 4 نوفمبر، 2026 - 10:56 ص
  • الزيارات : 8
  • دولة القانون || د. عبد العظيم حسن -المحامي

    في مقال سابق بعنوان «السلام في العدل» تناولت تداعيات حكم المحكمة العليا الأمريكية الذي أقر للرئيس دونالد ترامب حصانة جنائية عن بعض أفعاله، محذراً من أن توسيع نطاق الحصانة على حساب المساءلة قد يفتح الباب أمام استغلال السلطة وتجاوز حدودها. اليوم، وبعد إخفاق سياسات ترامب والخسارة المذلة التي تعرض لها حزبه جراء مجاراته، لم يعد الخطر مجرد خلاف سياسي بين رئيس وخصومه، وإنما تحول السلطة ومؤسسات الدولة إلى أدوات للانتقام ومعاقبة حتى الشعب الذي أسقطه. ولعل مجاراة قيادات الحزب الجمهوري وبعض زعماء العالم لغرور ترامب وتغليبهم حسابات المصالح الذاتية على مقتضيات العدالة قد أسهمت في الوصول إلى هذه النتيجة. ففي علم الإجرام، قد يدفع الخوف من انكشاف الجريمة وملاحقة مرتكبها إلى ارتكاب أفعال أشد خطورة لطمس آثارها والتخلص من أدلتها. وبالمثل، فإن غياب المساءلة السياسية والقانونية لا يحد من التجاوزات، بل يشجع على تصاعدها واتخاذ الانتقام نهجاً للإفلات من العقاب.
    وإذا كان الدستور الأمريكي يمنح الرئيس حق النقض وإصدار الأوامر التنفيذية، فإن على المشرعين الجمهوريين، أكثر من الديمقراطيين، تصحيح خطأهم باتخاذ التدابير اللازمة لنقض القرارات الرئاسية التي تمنع تصرفات ترامب الانتقامية والعمل على الحد من أضرارها وإدراك ما يمكن تداركه. غير أن الهزيمة السياسية التي مُني بها الحزب الجمهوري لا ينبغي أن تمر دون مساءلة عن مسؤولية من سايروا سياسات ترامب ومكّنوه من تجاوزاته. والأهم أن الأخطاء الجوهرية التي ارتكبها ترامب وأعضاء حكومته يجب أن تكون أساساً لإجراءات قضائية جادة، تستهدف التعويض عن الأضرار ومساءلة وزراء حكومته وحرمانهم من ثرواتهم بموجب أحكام قضائية.
    لكن العالم لا ينبغي أن يراهن على أن المؤسسات الأمريكية وحدها ستتمكن من احتواء تداعيات هذه المرحلة؛ بل عليه أن يستعد لأيام عجاف قد تمتد ليس لما تبقى من ولاية ترامب وإنما بعدها، حتى وإن انتهى الأمر بعزله. فالعزل، إن تحقق، لا يمحو بالضرورة آثار السياسات والقرارات التي اتخذها، ولا يضمن توقف تداعياتها داخلياً أو دولياً. فالولايات المتحدة ليست ملكاً لرئيسها، ومؤسساتها ليست ملكاً لحزبه، ومصالح شعبها والعالم لا يجوز أن تصبح رهينة لحساباته الشخصية. وإذا كان العدل أساس السلام، فإن سيادة القانون تظل الضمانة لمنع تحول الانتقام إلى سياسة دولة، أو تحول القوة من أداة لحماية المصالح إلى مصدر لتهديد الاستقرار العالمي.
    د. عبد العظيم حسن
    المحامي – الخرطوم
    4 نوفمبر 2026