نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
اتفق مع الزميل قمر الدين محي الدين في أن أوضاع الصحافيين بعد الحرب وفقدان صحفهم في الخرطوم بلغت من البؤس مبلغًا يبيح لبعضهم “الميتة”، إذ لا إثم على المضطر، ولكن بالمقابل أيضًا بذلت ذات الظروف لبعض الصحافيين مطارف السلطة والحشايا، فما عافتها وباتت في “العِظَام” كما فعلت “بنتُ الدهر” مع المتنبي، لكنها “رتعت” و”استرتعت” لذلك من الضروري أن نتحدث فقط عن ظروف بعض الصحافيين وليس كلهم، ولانعمم حالة البؤس على الجميع فالبعض الآخر ينعم تحت كنف السلطة منذ اندلاع الحرب، حتى صاروا أرقامًا من العدم وتفتحت ألوان بشرتهم..(اللهم أنعمت فزد).. فما حاجة هؤلاء لدعم الحكومة أكثر مما هم فيه..
(2)
أعود إلي بيت القصيد في مقال الزميل قمر الدين الذي اقترح على رئيس الوزراء تبني مبادرة لدعم الصحافيين تقوم على إنشاء صندوق طوارئ تحت إشراف رئاسة مجلس الوزراء، يُخصص لدعم الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم بسبب ظروف الحرب، وتوفير إعانة شهرية، وإطلاق مبادرة للتوظيف الرقمي ، والتدريب على تقنيات الصحافة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وربطهم بسوق العمل العالمي.
والحق أن الزميل قمر لم يكن اول من اطلق مبادرات الدعم الحكومي للصحافيين، فقد اقترح البعض من قبل إيجاد وظائف حكومية للصحافيين، والدعم المالي الحكومي، وما إلى ذلك من المبادرات.
لكن في الغالب ينسى أصحاب تلك المبادرات وضعية الصحافة بوصفها جهازًا رقابيًا تقع على عاتقه مراقبة الأداء الحكومي، ولها دور حساس ومهم في مراقبة عمل الجهاز التنفيذي، وهذا الدور يتطلب إستقلالًا تامًا للمؤسسات الصحافية والأجهزة الإعلامية غير الرسمية، خاصة تلك التي تسمي نفسها “مستقلة”، إذ لايجوز تقبُل الدعم الحكومي المباشر الذي من شأنه التأثير على وظيفة الصحافي وواجباته، فالأمر في رأيي لايختلف كثيرًا عن الهدايا التي تقدم بغرض الاستمالة والتأثير من جهات صاحبة مصلحة.
(3)
في أحيانٍ كثيرةٍ أُشبِّهُ الصحافي الحُر المستقل بالقاضي الذي يجلس على كرسي القضاء ليقضي بين المتخاصمين، فإذا جوَّزنا للصحافي أن يتعاطى دعمًا حكوميًا مباشرًا، فلماذا لانجيزه للقاضي ومجيز له الهدايا كذلك، ولماذا لانجوِّز ذلك لمنسوبي الأجهزة التي يفترض أن تكون مستقلة مثل ديوان المراجع العام وأجهزة رقابة الأداء الحكومي المختلفة.
في تقديري أن الأجهزة المنوط بها مراقبة الأداء الحكومي لايجوز لها أن تتعاطى أي دعم حكومي من شأنه أن يؤثر على دورها الرقابي على السلطة التنفيذية، وإلا كان تأثير ذلك الدعم واضحًا ومباشرًا على دور تلك الأجهزة في الرقابة.
(4)
صحيح أن الكثير من الصحافيين يعانون ظروفًا مأساوية، وتتمدد حاجاتهم من رسوم تعليم الأبناء، ومقابلة ظروف المرض، وتكاليف المعيشة، ولكن أن تتم معالجة أوضاعم بالطرق المقترحة التي تجهز على الاستقلالية والحياد وتجعل للحكومة سبيلًا على الصحافيين، فهذا ما يحول الصحافة المستقلة إلى واحدة من أجهزة الحكومة، وليس رقيبًا عليها..
(5)
إن أرادت الحكومة دعم الإعلام الحر وإقالة عثرته فعليها أن تشجع صناعة الصحافة والإعلام بإعفاء مدخلات الإنتاج من الرسوم والضرائب، وتحفز للإسثمار في مجالات الإعلام بشتى انواعه وتوفير بيئة صالحة للنشر وتشجيع الانتاج الإعلامي والصحفي عن طريق توزيع الإعلان الحكومي توزيعًا عادلًا غير مرهون بمولاة الحكومة، أو معارضتها ودعم البطاقة العلاجية ونحوها دون قيود سرية، ونحو ذلك من الدعم غير المباشر الذي لايؤثر على الأداء ولايمكن ارتهانه لحسابات الولاء وعدمه.
إلى جانب فتح باب الحريات وجعل القانون هو الفيصل، فالحرية كفيلة بتطوير المؤسسات الصحافية والإعلامية، وترقيتها وازدهارها، بخلاف التضييق والملاحقات والإجراءات التعسفية والمصادرات الأمنية التي أفقرت المؤسسات الصحافية واغرقتها في خسائر مالية تعذر معها إستمرار العمل، وهو ما انعكس على أجور الصحافيين، وتعثر تلك المؤسسات.. لكل ما سبق لانشجع ولانؤيد اي دعم حكومي مباشر للصحافي ، فالأفضل له أن تُلجِأه الحاجة إلى أهله وزملائه ومعارفه الذين لاترتبط مصالحهم بأدائه المهني، أوتلمُس أعمال شريفة أخرى، فهذا أفضل وأشرف له من أن ينتظر دعمًا حكوميًا
، وذلك لشبهة التأثير على الأداء المهني، وإلا فلن يعدو ان يكون موظف حكومي…..
اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق