بعد أزيز المدافع ودوي الرصاص… معارك داخل البيوت

  • بتاريخ : 17 سبتمبر، 2026 - 5:22 م
  • الزيارات : 43
  • وسط الغلاء والخوف كيف يبقى المجتمع متماسكا؟

    فُريعة احمد شرف عايس
    “باحثة إجتماعية”

    في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد المباني التي تهدمت أو الأموال التي ضاعت فقط؛ فهناك خسائر لا تُرى بالعين، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الإنسان والمجتمع.

    في السودان، يعيش كثير من الناس منذ فترة طويلة تحت وطأة الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مصادر الدخل، وأصبح تدبير احتياجات الأسرة اليومية تحديًا حقيقيًا. ومع استمرار الضغوط، لا يعود الإنسان منشغلًا بالطعام والدواء والمسكن وحدها، بل يجد نفسه أمام سؤال أكبر: كيف نحافظ على تماسك الأسرة وسلامة الإنسان النفسية والاجتماعية في زمن شديد القسوة؟

    من وجهة نظر اجتماعية، الأزمات الاقتصادية والأمنية لا تتوقف آثارها عند حدود الجيب، بل تمتد إلى العلاقات داخل الأسرة والمجتمع. فالشخص الذي يعيش تحت ضغط مستمر قد يصبح أكثر توترًا، والأسرة التي تعاني ضيقًا ماديًا قد تزداد خلافاتها، والأطفال قد يشعرون بالخوف والقلق حتى عندما لا يتحدثون عنه صراحة.

    وهنا تظهر أهمية الوعي الاجتماعي.

    نحن لا نستطيع أن نتحكم في الحرب أو في أسعار السلع، لكننا نستطيع أن نتحكم في الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا. نستطيع أن نخفف عن الشخص المتعب بدل أن نحمّله فوق طاقته، وأن نساعد المحتاج بما نستطيع، وأن نسأل عن الغائب، وأن نحافظ على صلة الرحم، وأن نتذكر أن وراء كل باب مغلق أسرة قد تخوض معركة لا نعرف عنها شيئًا.

    كما أن التعامل مع الغلاء يحتاج إلى وعي جديد داخل الأسرة؛ بإعادة ترتيب الأولويات، وتقليل الهدر، والتعاون في تحمل المسؤوليات، وعدم تحويل الضيق المالي إلى صراع دائم بين أفراد الأسرة.

    أما الأطفال، فهم الحلقة التي يجب أن تحظى باهتمام خاص. فالطفل قد لا يفهم تفاصيل الحرب والغلاء، لكنه يفهم الخوف، ويشعر بالتوتر، ويتأثر بطريقة حديث الكبار وتصرفاتهم. لذلك فإن منح الطفل قدرًا من الأمان، والاستماع إليه، والحفاظ قدر الإمكان على روتين حياته وتعليمه، أمور تساعده على مواجهة الظروف الصعبة بصورة أفضل.

    إن المجتمعات لا تصمد بالموارد المادية وحدها؛ بل تصمد أيضًا بالتكافل والثقة والرحمة والمسؤولية الاجتماعية.

    وربما تكون المرحلة الحالية بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف قيمة أشياء اعتدنا اعتبارها بسيطة: جار يسأل عن جاره، قريب يساند قريبًا، شخص يشارك ما يملك، أم تمنح أبناءها الطمأنينة رغم خوفها، وأب يحاول أن يحافظ على تماسك أسرته رغم ضغوط الحياة.

    هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تنهي الحرب، لكنها تمنع آثارها من أن تهزم الإنسان من الداخل.

    وفي زمن تزداد فيه الأعباء، ربما لا نستطيع أن نخفف كل شيء عن الجميع، لكن بإمكان كل واحد منا أن يتأكد أنه لا يكون سببًا في زيادة حمل شخص آخر.