المسألة العُمَرية في المواريث: بين ظاهر النص وفقه المقاصد

  • بتاريخ : 29 يوليو، 2026 - 6:39 ص
  • الزيارات : 49
  • بقلم:المستشار القانوني/ الطيب مضوي شيقوق

    تُعد المسألة العمرية، أو ما يعرف بالغراوين، من أشهر مسائل علم الفرائض، لما انطوت عليه من دقة في فهم النصوص الشرعية وتحقيق مقاصدها في توزيع الميراث. وقد سميت بالعمرية نسبة إلى الخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قضى فيها بحكم وافقه عليه جمهور الصحابة، فأصبح أصلاً معتمدًا عند جمهور الفقهاء.

    وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11]

    وظاهر الآية أن الأم تستحق الثلث إذا لم يكن للميت ولد، إلا أن الإشكال يظهر عندما يكون مع الأبوين زوج أو زوجة، حيث يثور التساؤل: هل تأخذ الأم ثلث جميع التركة، أم ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة؟

    حسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه المسألة بقضاء أصبح من أشهر اجتهادات الصحابة، فقضى بأن الأم تأخذ ثلث الباقي بعد إخراج نصيب الزوج أو الزوجة، وليس ثلث جميع التركة. وقد وافقه على ذلك كبار الصحابة، وأخذ به جمهور فقهاء المذاهب الأربعة.

    وتظهر المسألة في صورتين فقط: الأولى إذا توفي رجل عن زوجة وأب وأم، فتأخذ الزوجة الربع، ثم تأخذ الأم ثلث الباقي، ويكون الباقي للأب. والثانية إذا توفيت امرأة عن زوج وأب وأم، فيأخذ الزوج النصف، ثم تأخذ الأم ثلث الباقي، وما تبقى يكون للأب.

    وقد استند هذا الاجتهاد إلى أن الأب والأم إذا اجتمعا في الميراث، فإن من مقاصد الشريعة ألا يكون نصيب الأم أكبر من نصيب الأب في هذه الحالة، لأن الأب أقوى جهةً في الإرث ويتحمل من الالتزامات المالية ما لا تتحمله الأم، كما أن الآية الكريمة ذكرت حالة انفراد الأبوين بالإرث، أما مع وجود أحد الزوجين فإن الزوج أو الزوجة يقدمان في استيفاء فرضهما، ثم يكون الثلث المقصود للأم من الباقي.

    ورغم أن بعض العلماء، ومنهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ذهب إلى أن الأم تستحق ثلث جميع التركة أخذاً بظاهر الآية، إلا أن جمهور الفقهاء رجحوا قضاء عمر رضي الله عنه، لما يحققه من الجمع بين نصوص الشريعة ومقاصدها، ولإجماع الصحابة العملي عليه.

    وتبرز المسألة العمرية أهمية الاجتهاد الفقهي القائم على الفهم العميق للنصوص، كما تؤكد أن علم الفرائض ليس مجرد عمليات حسابية، بل هو علم يقوم على قواعد شرعية دقيقة، توازن بين ظاهر النصوص ومقاصدها، وتحقق العدالة التي أرادها الله تعالى في توزيع التركات.

    وقد ظلت المسألة العمرية مثالًا بارزًا على فقه الصحابة رضي الله عنهم، ودليلًا على أن الاجتهاد الجماعي المبني على أصول الشريعة قادر على بيان الأحكام فيما قد يلتبس من مسائل الميراث،

    ولذلك بقيت هذه المسألة تُدرَّس في كتب الفرائض باعتبارها من أهم التطبيقات العملية على فقه المواريث في الإسلام.

    أما التطبيق العملي فهو هكذا :-

    الصورة الأولى
    توفي رجل وترك :
    زوجة.
    أم.
    أب.
    فإذا كانت جملة التركة (12) سهماً.
    فيكون للزوجة: 3 أسهم (الربع).
    يبقى 9.
    الأم: 3 أسهم (ثلث الباقي).
    الأب: 6 أسهم.

    فيكون نصيب الأب ضعف نصيب الأم، وهو ما ينسجم مع القاعدة العامة في الميراث.

    الصورة الثانية
    توفيت امرأة وتركت :
    زوج.
    أم.
    أب.
    فلو افترصنا ان جملة التركة (12) سهماً فتقسم كالآتي :-

    الزوج: 6 أسهم (النصف).
    يبقى 6.
    الأم: سهمان (ثلث الباقي).
    الأب: أربعة أسهم.
    وهنا أيضاً يبقى نصيب الأب ضعف نصيب الأم.