الطيب مصطفى… جوانب يجهلها الكثيرون (1)

  • بتاريخ : 2 أغسطس، 2026 - 4:38 م
  • الزيارات : 5
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    سألتُ يوما الراحل الطيب مصطفى عن رواية تناهت إلى سمعي بأنه اقتحم يومًا مكتب الرئيس السابق عمر البشير، وقال ماقال وفعل مافعل.. أعترف لي: ( أنْ فعلتُ)، وكنتُ موقنًا أنه سيصدقني القول ولن يخفي شيئًا ، كيف لا، وهو الرجل الذي جمعني به العمل الصحفي لما يقارب العشر سنوات، ولم أحسب له يومًا كذبة- ولو بيضاء- ، ولم أره مداهنًا ولا مرائيًا يومًا، ورغم اختلافنا السياسي، ورغم تعاركنا أحيانًا على صفحات الصحف، إلا أنه يكنُّ لي تقديرًا خاصًا، لم أر مثيلًا له من كل الذين تعاملتُ معهم في مجال الصحف ،كما لو كنتُ إبنه، وأنا أزيد على ذلك التقدير، فله من الله رحمة واسعة تسع كل المذنبين على وجه الأرض..
    قلتُ له سمعتُ إنك أتيت مكتب الرئيس وقد تملكتك موجةٌ من الغضب والهياج، واقتحمت المكتب، وقد حاول مدير مكتب الرئيس وقتها الفريق طه عثمان إيقافك، لكنك قذفت به جانبًا ولم تلقِ له بالًا ولم تعره نظرة إلا نظرة احتقار وحسب.، وولجتَ إلى مكتب الرئيس وهو الآخر عنفته ولم يسلم من ثورتك، وقلت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا.. قال نعم فعلتُ..
    وهل تريدني أن أسكت عن باطل..!!
    (2)
    كان الطيب مصطفى يذهب إلى مكتب الرئيس البشير ، ويناصحه بحدة وجرأة لم يعهدها البشير في أحد، ويحذره من بطانة السوء المحيطين به، ويقول له هؤلاء سيوردونك مورد الهلاك، وعندما يعلم أن احد المسؤولين ولغ في فساد ما ، او أن احد أشقاء الرئيس استغل النفوذ والسلطة لم يتردد الطيب مصطفى في حث الرئيس على محاسبة المخطيء ، وكم كان يناصحه بقوة وحدة، حتى أن الرئيس ودائرته الضيقة استثقلوا نصائح الطيب مصطفى ولم يحتملوا حدته في الحق، وثورته دفاعًا عمّا يراه صوابًا وحقًا، فأوصدوا من دونه كل الأبواب، فتعذر عليه الوصول إلى الرئيس وفي خاتمة المطاف تحول الود بين الطيب مصطفى وابن اخته إلى عداء وقطيعة…القطيعة التي بدأت منذ أن انتهر الرئيس خاله قائلًا: ( كلما مرة تكلمني عن الفساد.. الفساد دا غيرك إنت يا الطيب زول بشوفو مافي، إنت براك يا الطيب البشوف فساد الانقاذ).
    (3)
    كان الطيب ودودا مع الحاجة هدية أم الرئيس وأبنائها، كانوا يجتمعون إليها مع شاي الصباح، في جلسة أسرية يتزعمها عميد الأسرة الباشمهندس الطيب مصطفى، وكلهم يصغون إليه وإلى نصائحه، وتحذيراته من الانحراف نحو الظلم والفساد والغفلة، وكان الرئيس البشير يصغي بإهتمام وإعجاب لنصائح خاله الطيب مصطفى، ويعطيها وزنًا وقيمة والتي كانت تتمحور حول الإشارة إلى الإنحراف والفساد والتساهل مع أمور لاتحتمل التساهل..
    لكن وجد الرئيس من اوغر صدره على مصطفى ، فأصبح لايطيق حديثه عن فساد المسؤولين وإنحراف الانقاذ عن المبادي والشعارات التي جاءت بها، حتى أنفجر في وجهه ذات صباح: (الفساد دا بتشوفو انت براك يا الطيب، الناس دي كلها مبسوطين من الانقاذ، وما في زول بتكلم عن فساد الا انت!!)..
    كانت العبارة صادمة للطيب مصطفى ، وادرك ان تحولًا كبيرًا طرأ على شخصية الرئيس الذي بدا يتبرم ويتضايق من النصح..
    (4)
    خلاصة هذه الحلقة، من سلسلة الحلقات التي أرى توثيقها مهما للكشف عن جانب مهم في حكومة البشير، وجانب آخر أهم في شخصية الطيب مصطفى وهو الجانب الذي يجهله الكثيرون في شخصية مصطفى: فالرجل حاد في موضع الحِدة، ورقيق لين في موضع اللين، ذو عاطفة ملتهبة، يغضب لما يراه حقًا، وتغرورق عيناه في مواضع الشفقة،يحمل قلبًا رقيقًا يتفطر ألمًا عندما يرى منكرًا، أو حرمات لله تُنتهك، وعينان تستبكيهما المواقف التي تستدر العطف والرحمة.
    ينصح بكلمات كالصوارم القواطع، لايتوارى خلف كلمات حمالة اوجه، بل يقول قولته ويمضي في حال سبيله رضي من رضي وغضب من غضب، طالما انه يعتقد ان ما قاله يرضي الله ، وكثيرًا ما كان يردد عبارة، “والله لن أبيع آخرتي بدنيا غيري” (نواصل)
    …اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.