بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة رقم (١٠)
أثر الحقبة المهدوية على البنية الإجتماعية و القيم العامة للشعوب السودانية ..
بقيام الثورة الشعبية التي قادها بحكمة وحنكة وإقتدار الشيخ محمد أحمد بن عبدالله المسمى بالمهدي و الموصوف بالصلاح والفلاح كما في القصص الشعبي ومساعده عبدالله ود محمد ود تورشين الرجل قوي الشكيمة و المسمى بخليفة المهدي مستخدما عاطفة الدين لدى العامة و إعتقادهم بوجوب ظهور المهدي ليرفع ظلم المماليك الجاثم على صدورهم ويملاؤها عدلا بجانب إشتهار الرجل بالزهد والورع وقيامه بين أتباعه ومشاركتهم حياتهم دون حواجز متحليا بالإرث الصوفي الذي نشأ عليه وتشرب أخلاقه ومفرداته ومعانيه فكانت أول ثورة تجمع السودانيين جلهم في بوتقة واحدة تحت رأية واحدة ولتحقيق هدف واحد .. هو التخلص من ربقة المغتصب المملوكي لأرضهم وكرامتهم وحريتهم .. وبها بذرت أول بذرة لما يمكن إعتباره مفهوم الوطنية لشعوب السودان المختلفة خلف رجل من بني جلدتهم وعلى رقعة جغرافية عرفت لاحقا بالسودان وتحت تصور موحد للدين تجاوز الطرق الصوفية المتعددة و حتى الإختلاف المذهبي الموروث ببديل قدمه قائد ثورتهم الروحي والعسكري والسياسي و تجاوز بوعده طموحاتهم للحرية والإنعتاق إلى الأفاق الاقليمية نحو مصر شمالا والحجاز شرقا .. تحقيقا لوعد المهدي المنتظر بالبيعة عند المسجد الحرام بين الركن والمقام كما في الموروث الديني ..
أثمرت هذه الثورة ونجاحاتها العسكرية في تقويض الحكم المملوكي المسنود بآلة وخبرات الأمبراطورية البريطانية مجتمعا جديدا وإنسانا فاعلا على المستوى العسكري والنفسي بالنجاحات العسكرية الباهرة المتتالية على من كان يسومه ذل الخضوع و إنكسار العبودية و حققت به إعتدادا بالنفس وسلوكا منضبطا بضوابط التدين كما صوره الشيخ محمد أحمد وضبط حدوده ..
إستفادت الدولة الوليدة من إرث المعارف و مقتنيات الحكم المملوكي في إدارة شأن الدولة و إنشاء الدوواوين وإن بنسخة أقل فعالية لإفتقار الجموع الشعبية لخبرات ومعارف سلفهم إلا من إستعانوا بهم ممن طالهم الأسر أو إنضموا لجموع الثوار رغبة ورهبة و قد جرت محاولات كثيرة لتطوير هذه المكتسبات خاصة على المستوى العسكري بما يناسب تحقيق الهدف المرتبط بإدعاء قائد الثورة لمقام المهدي المنتظر غير أنها قصرت عن الإستفادة من المعطيات الأخرى لتطوير مستوى حياة ومقدرات ومهارات الأتباع لتحقيق إستقرار الدولة وبناء قواعدها بالصورة المطلوبة ..فظلت جموع السودانيبن على معرفهم وثقافاتهم الحياتية الموروثة دون تغيير جوهري هذا إضافة لعزلتها عن بحر الإنسانية الزاخر الذي كان يموج حولها بالمعارف والعلوم المستجدة ومنتجاتها العسكرية والمدنية فهي بهذه الصفة تحت دعوى وهدف قائد ثورتها ومؤسس دولتها مثلت خطرا حقيقيا على المارد الغربي الرأسمالي المنطلق من عقاله بحثا عن موارد وأسواق جديدة تستوعب القفزات المتتالية في أدوات الانتاج بالمجتمعات الصناعية القوية للأمبراطوريات الكبرى التي أنطلقت من قواعدها باوروبا الغربية مدججة بأسلحة القتل الجماعي الفاتكة ووسائل إدارة المعارك العسكرية الخاطفة و أدوات الانتقال السريع المستوعبة لحاجات الجيوش والمساندة لها بعيدا عن مراكز إنطلاقها وفي قلب أرض خصومها ..
وكأني بالدولة الوليدة تحاكي في قيامها مملكة سنار حيث جأت على أفول نجم الأمبراطوريات الاسلامية المرجعية القوية وذهاب عزها فقامت يتيمة هشة في مهب رياح عاتية لا تصدها عنها حجب .. ثم كانت القاصمة بالموت السريع لقائد الثورة بعد إنتصاره المحقق دون أن تتاح له فرصة إختبار حنكته العسكرية والفكرية وكاريزماه القيادية في تأسيس وقيادة دفة الدولة الوليدة بين النجاح والفشل فبقيت صورته الناصعة في الاذهان وتاريخ كثير من شعوب السودان .. مهديها الصالح و المظفر ..
فما كاد المشيعون ينفضون أيديهم عن تراب قبره حتى برزت الأطماع الطبيعية في زهوة الملك والسلطان فتنازعوا أمرهم بينهم و لاحت في الأفق نذر الفشل والتشتت ثم قادت لإنطفاء شعلة الحماس وخفوت شعار التوحد حين أنبرى لها صديقه المقرب عبد الله ودتورشين في ليلة الخناجر الطويلة كما يقولون ليشكم الطامعين ويستفرد بها دونهم مستندا لقوة أهله سند الثورة الأول وأهل قتالها المبكر من عرب الغرب وزنجه حتى آلت له بكاملها مخلفة شتات أجناس وشعوب وقبائل أقطار السودان وقادتهم كل يتربص سانحة لينال نصيبا من الجاه أو الملك أو الإنتقام لمذلة اصابته أو انتقاص طاله وعشيرته في الانفس او السلطة والمال فضاع جهد السنون الذي بذل شيخ محمد أحمد عمره لبناء أعمدته متهاويا تحت ضربات خليفته العنيفة لكل من نازعه القيادة أو خرج عن طوعه وأذل ببطشه من كانوا أخوة العقيدة والجهاد بالأمس مؤسسا لجيوب من الخصوم وأهل العداء من أهل وقبائل النيل الشمالي خاصة … و منها أتى مقتل دولته وذهاب ملكه وضياع فرصة ثمينة لبناء قومية واحدة تنصهر فيها شعوب السودان المختلفة وقبائله في قالب الوحدة والشعور بالانتماء .. والقت هذه الفترة بظلالها في ثنائية الانتماء لاهل البحر وأهل الغرب التي ساهمت بقسط غير منكور فيما يجري من احتراب اصاب الدولة في صميم بقائها و وحدتها حتى هذه اللحظة ..
أواصل …











إرسال تعليق