الحوار قبل إطفاء النار … بين الضرورة والتوقيت

  • بتاريخ : 15 سبتمبر، 2026 - 2:11 م
  • الزيارات : 21
  • بقلم: م. م. الإمام عبداللطيف الإمام

    مع كل جولة قتال جديدة في السودان، تعود الدعوات للحوار. والسؤال الذي يتكرر: هل الحوار الآن إنقاذ للوطن، *أم محاولة لترتيب البيت والنار ما زالت مشتعلة*؟ إن توقيت الحوار هو ما يحدد مصيره.

    هناك فرق كبير بين أن يكون الحوار وسيلة لإنقاذ الوطن، وبين أن يتحول إلى بديل عن معركة استعادة الدولة.

    والسؤال المطروح اليوم بصراحة: هل جاء وقت الحوار السياسي في السودان؟ أم أننا نحاول ترتيب أثاث البيت والنار لا تزال مشتعلة في بعض غرفه؟

    لا أحد يرفض الحوار من حيث المبدأ، فهو قيمة حضارية ووسيلة لمعالجة الخلافات. لكن نجاحه مرتبط بتوقيته وبيئته. والحوار الذي يُعقد قبل استقرار الأوضاع الأمنية، وقبل أن تستعيد الدولة قدرتها على حماية مواطنيها، وقبل حسم مسؤولية الجرائم والانتهاكات، قد يتحول من وسيلة للحل إلى أداة لإطالة الأزمة وإعادة إنتاج نفس القوى التي أوصلتنا إليها.

    لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لهذه الحرب: مدن دمرت، وقرى نزحت، وأسر تفرقت، واقتصاد انهار، وملايين يعيشون بين الخوف والنزوح والفقد. وفي ظل هذه المأساة تصبح الأولوية واضحة: استعادة الأمن، وبسط سلطة الدولة، وحماية المواطنين، واستكمال معركة استعادة مؤسسات الدولة. *فلا سلام مستدام فوق أرض لا يزال يدوّي فيها صوت البندقية.*

    والأخطر أن يصبح الحوار منصة لتسوية سياسية لا تعبر عن تطلعات الشعب، أو وسيلة لإعادة تدوير نخب اختارت المواقع الرمادية خلال الحرب. السودان بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. والشعب الذي دفع الثمن من دمه وماله وبيته لا يمكن أن يقبل بالعودة إلى المعادلات القديمة.

    إن الحديث عن الحوار الآن دون وضع خارطة طريق واضحة لما بعد الحرب، سيقودنا إلى نفس الدائرة المفرغة التي عشناها خلال السنوات الماضية. كل مرة نبدأ حواراً قبل اكتمال شروطه، فتنتج عنه اتفاقات هشة لا تجد من يحميها على الأرض، ثم نعود للمربع الأول بكلفة أعلى. لذلك يجب أن نتعلم من تجاربنا:
    • لا حوار ناجح بلا دولة،
    • ⁠ولا دولة قوية بلا أمن،
    • ⁠ولا أمن مستدام بلا إرادة شعبية حقيقية.

    إذا كان لا بد من حوار وطني فليكن حواراً يبدأ من الشعب. السودان ليس ملكاً للأحزاب ولا للنخب المقيمة في الخارج. السودان ملك
    • للمزارع الذي يريد العودة لحقله،
    • ⁠وللعامل الذي يريد وظيفته وعمله ،
    • ⁠وللنازح الذي يريد بيته،
    • ⁠وللجندي الذي يقاتل دفاعاً عن وطنه.
    • ⁠وللمعلم والطالب الذي يريد العوده الي فصله .
    ⁠هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقون، وأي عملية سياسية يجب أن تستند إليهم لا إلى ترتيبات فوقية.

    قبل السياسة يجب أن تُحسم مسألة الدولة: هل نريد دولة واحدة بجيش وطني واحد، أم نجعل السلاح طريقاً للسلطة؟ السياسة يمكن أن تختلف فيها الأحزاب وتتبدل الحكومات، لكن هيبة الدولة واحتكارها للسلاح لا يمكن أن تكون موضع مساومة. وقاعدة “قاتل أولاً ثم تفاوض” تعني تأسيساً لدورات جديدة من الحرب.

    نعم للسودان مصالحة وطنية، لكن المصالحة لا تعني النسيان، والسلام لا يعني إسقاط حقوق الضحايا. نحن بحاجة إلى عدالة انتقالية حقيقية: كشف للحقائق، ومحاسبة للمسؤولين، وتعويض للمتضررين، ثم نمضي للمصالحة. فالسلام الذي لا يقوم على العدالة هو مجرد هدنة مؤجلة.

    أما الخارج فنرحب بكل جهد صادق لإيقاف الحرب وحماية المدنيين، ولكن القرار السوداني يجب أن يظل سودانياً. نريد العالم شريكاً في السلام، لا وصياً على السودان. تجارب الدول من حولنا علمتنا أن الوصاية الدولية قد توقف البندقية مؤقتاً، لكنها لا تبني وطناً.

    ماذا نريد؟ نريد دولة آمنة ومستقرة، وجيشاً وطنياً موحداً، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، واقتصاداً منتجاً، وعدالة لا انتقاماً. ثم بعد ذلك نظاماً سياسياً يختاره الشعب بإرادته الحرة. لكن ترتيب الأولويات حاسم:
    *الدولة أولاً ثم السياسة*،
    *والأمن أولاً ثم الحوار*،
    *والعدالة أولاً ثم المصالحة.*

    سيأتي يوم نجلس فيه جميعاً كسودانيين لنتحدث عن مستقبل الدولة والدستور والتنمية. *لكن ذلك الحوار يجب أن يكون من موقع الدولة المستقرة لا تحت تهديد السلاح، ومن موقع الثقة الشعبية لا بعيداً عنها.*

    وعندما تنطفئ نار الحرب وتستعيد الدولة عافيتها، ويعود النازح إلى بيته آمناً، ويجد الطالب جامعته مفتوحة، والعامل مصنعه يعمل، عندها فقط نجلس حول مائدة واحدة لا لاقتسام الغنائم، وإنما لبناء السودان الذي دفع هذا الشعب كل هذه الدماء من أجله.

    *فالحوار ليس غاية في ذاته. الغاية هي السودان.*
    *والسودان يستحق دولة قوية، عادلة، موحدة، مستقلة القرار، لا تُدار بالبندقية، ولا تُختطف بواسطة النخب.*

    *الله غالب.*