الحرب ليست غاية، بل الغاية بناء وطن آمن ومستقر

  • بتاريخ : 28 يوليو، 2026 - 8:09 ص
  • الزيارات : 5
  • بعد معركة الحرب… آن أوان معركة بناء الدولة

    بقلم: /م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    لا توجد أمة تتمنى الحرب، ولكن التاريخ يعلمنا أن بعض الحروب تفرضها الظروف، وأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في خوضها، بل في حسن إدارة ما بعدها. فالحرب مهما حققت من مكاسب عسكرية، لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الدولة وصون سيادتها. أما الغاية الكبرى فهي بناء وطن آمن ومستقر، يشعر فيه المواطن بالكرامة والعدل، ويجد فيه فرصته في حياة كريمة.

    واليوم يقف السودان أمام مرحلة فاصلة من تاريخه. فقد خلفت الحرب خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وعطلت عجلة الاقتصاد، وأضعفت مؤسسات الدولة، وأرهقت ملايين المواطنين بالنزوح واللجوء وفقدان مصادر الرزق. ومع ذلك، فإن الأمم العظيمة لا تُقاس بحجم ما أصابها من أزمات، وإنما بقدرتها على تحويل *المحنة إلى فرصة، والدمار إلى بداية جديدة.*

    لقد آن الأوان لأن تنتقل الأولويات من *إدارة الحرب إلى إدارة الدولة*، ومن لغة السلاح إلى لغة البناء، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها في التنمية والإنتاج. فالسودان لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، بل يحتاج إلى إعادة بناء الدولة نفسها على أسس أكثر قوة وعدلاً وكفاءة.

    وأولى معارك هذه المرحلة هي *استعادة هيبة الدولة*، من خلال بسط سيادة القانون، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإعادة مؤسسات الخدمة العامة إلى أداء دورها بكفاءة واستقلالية. فالمواطن لا يريد نهاية الحرب فحسب، بل يريد دولة تحمي حقوقه، وتؤدي واجباتها، وتحقق العدالة بين أبنائها.

    ثم تأتي *معركة الاقتصاد*، وهي المعركة التي ستحدد مستقبل السودان لعقود قادمة. فبلادنا تمتلك من الأراضي الزراعية، والموارد المائية، والثروات المعدنية، والثروة الحيوانية، والموقع الجغرافي المتميز، ما يجعلها مؤهلة لأن تكون من أكبر الاقتصادات في إفريقيا. غير أن هذه الموارد تحتاج إلى إدارة رشيدة، وتخطيط علمي، وشفافية، ومحاربة حقيقية للفساد، وتشجيع الإنتاج والاستثمار.

    أما *إعادة الإعمار*، فلا ينبغي أن تقتصر على تشييد المباني والطرق والجسور، وإنما يجب أن تشمل إعادة بناء الإنسان السوداني، بإصلاح التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وتأهيل الشباب، وإعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم في ظروف تحفظ كرامتهم، وتوفر لهم الأمن والخدمات وفرص العمل.

    ومن أهم دروس هذه الحرب أن بناء الدول لا يكون بالإقصاء، وإنما بالاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية. فالسودان يزخر بخبرات كبيرة في الداخل والخارج، وحان الوقت لتوظيف هذه الطاقات في مشروع وطني جامع، بعيداً عن الولاءات الضيقة والمحاصصات، ليكون معيار التكليف هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

    كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب وطني جديد، *يرسخ ثقافة الحوار، ويعزز قيم التسامح، ويقدم مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والشخصية*. فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي، أما التنازع الذي يهدم الدولة ويبدد مقدراتها فلا رابح فيه.

    إن المواطن السوداني الذي تحمل أهوال الحرب لا ينتظر المزيد من التصريحات، بل ينتظر مدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يقدم العلاج، ومشروعاً زراعياً يعود للإنتاج، ومصنعاً يعمل، وطريقاً يربط المدن، وكهرباء ومياهاً وخدمات تعيد للحياة طبيعتها.

    ولعل من أهم أولويات المرحلة أيضاً تبني *التخطيط الإستراتيجي* في إدارة الدولة، فالنهضة لا تتحقق بردود الأفعال، وإنما بالرؤى الواضحة، والبرامج القابلة للتنفيذ، والإدارة القائمة على الكفاءة والمساءلة. إن السودان بحاجة إلى مشروع وطني طويل المدى، تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ويشارك فيه السودانيون في الداخل والخارج.

    إن التاريخ لا يخلد الذين انتصروا في الحروب وحدها، بل يخلد الذين أحسنوا استثمار ذلك الانتصار في بناء أوطان قوية وعادلة ومزدهرة. وهذه هي المعركة التي ينبغي أن تتوحد حولها إرادة السودانيين جميعاً؛ حكومةً وشعباً، ومؤسساتٍ وقطاعاً خاصاً، وشباباً وخبراتٍ وطنية.

    فبعد معركة الحرب، آن أوان معركة بناء الدولة. إنها المعركة التي لا يُهزم فيها أحد، بل ينتصر فيها السودان كله.

    *﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾*

    صدق الله العظيم