أحياء الخرطوم بلا شواكيش : خدمة تغيب أم حلم يتحقق؟

  • بتاريخ : 27 يوليو، 2026 - 6:15 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم/ بروفيسور محمد عبد القادر أبو قصيصة

    في مشهد اعتادت عليه أحياء الخرطوم لعقود، كان صوت الشواكيش وضرباتها على راس “الأجنة” وعلى حواف الصواميل جزءاً من الإيقاع اليومي للحياة، يختلط بنداءات الباعة وضجيج المرور. لكن هذا المشهد بات مهدداً بالزوال بعد قرارات لجنة أمن محلية الخرطوم بحظر الورش داخل الأحياء السكنية، ومنع تجديد التراخيص، وإغلاق الأسواق في الحادية عشرة ليلاً. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نحن أمام حلم طال انتظاره لسكان أنهكتهم الضوضاء والتلوث، أم أننا أمام خدمة أساسية ستغيب عن المواطن وتتركه في مواجهة واقع جديد لا يقل صعوبة؟
    أولاً: قراءة في القرار.. بين التنظيم والحاجة…
    القرارات التي أصدرتها لجنة أمن الخرطوم لم تأتِ من فراغ، بل جاءت استجابة لشكاوى متراكمة من المواطنين الذين طالما اشتكوا من التلوث والإزعاج، خاصة مع تفاقم الظاهرة بسبب خروج المناطق الصناعية الرئيسية عن الخدمة جراء الحرب، مما أدى إلى انتقال الورش إلى الأحياء بشكل عشوائي.
    ورأت السلطات في هذه الإجراءات خطوة لضبط الأمن وفرض هيبة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة من خلال تعزيز الارتكازات الأمنية.
    ثانياً: المواطن بين فكَّي متلازمه…
    المفارقة الأبرز تكمن في سلوك المواطن الخرطومي نفسه، فهو من ناحية أول من يرفع صوته شكوى ضد الورشة المجاورة، ومن ناحية أخرى أول من يطرق بابها عند تعطل سيارته. وكأنه يقول للسلطات: “نريد الخدمة، ولكن بعيداً عن بيتي”.
    ثالثاً: “الخرطوم بلا شواكيش”.. حلم المشهد المديني المتخيل…
    إذا تحقق الحلم وأصبحت أحياء الخرطوم خالية من الشواكيش والأجنة، فسيجد السكان أنفسهم أمام واقع جديد بين اثنتين :
    – بين تحسن جودة الحياة، انخفاض التلوث، وعودة الروح إلى الشوارع.
    – وبين معاناة المواطنين في إصلاح أعطال سياراتهم، وارتفاع تكاليف الصيانة، وتفاقم أزمة البطالة بين آلاف الميكانيكيين، خاصة في ظل غياب البدائل الجاهزة.
    عموما، “الخرطوم بلا شواكيش” ليس مجرد شعار، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات النظام الحضري وحقوق المواطنين في العيش الكريم. فالقرارات الحازمة ضرورية لإعادة الهيكلة، لكن نجاحها يظل مرهوناً بتوفير بدائل عملية تمنع تحول الحلم إلى كابوس جديد، حيث يجد المواطن نفسه بين خيارين: إما ضوضاء الورشة في جواره، أو عناء السفر لمسافات طويلة لإصلاح عطل بسيط.
    > في النهاية، العبرة ليست في إزالة الشواكيش من الأحياء، بل في ضمان ألا تغيب معها الخدمة عن المواطن، وألا تتحول قرارات التنظيم إلى مصدر جديد للمعاناة.
    ا.د. محمد عبد القادر ابوقصيصه