بقلم/ د. سعاد فقيري
في تاريخ الأمم، لا يُقاس الرجال بعدد الأيام التي قضوها في المناصب، وإنما بما تركوه من أثر، وما أحدثوه من تحول، وما غرسوه من أمل في نفوس الناس.
وهناك رجالٌ لا يحتاجون إلى ضجيج الإعلام، لأن إنجازاتهم تتحدث عنهم، ولا يستهلكون وقتهم في الرد على منتقديهم، لأنهم منشغلون بصناعة المستقبل.
ومن هؤلاء البروفيسور أحمد مضوي موسى.
كلما ظن الناس أنه بلغ نهاية مشروع، فاجأهم بأنه كان قد بدأ مشروعًا آخر. وكلما انشغل الآخرون بالحديث، كان هو منشغلًا بالفعل. لا يقف طويلًا عند محطات النجاح، لأنه يؤمن أن النجاح الحقيقي هو الذي يقود إلى نجاح أكبر.
تابعت الرجل منذ توليه مسؤولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فوجدته يعمل بعقل الباحث، ورؤية الأكاديمي، وروح رجل الدولة.
وحين اتخذ قراره التاريخي بإعادة مؤسسات التعليم العالي إلى داخل السودان، ظن كثيرون أن هذا سيكون أكبر ملف يشغله، لكنه كان قد حسمه بالأرقام والوقائع، ثم انتقل مباشرة إلى مرحلة جديدة من بناء المستقبل.
وفي صمت، كانت تُنسج واحدة من أهم الشراكات الأكاديمية في تاريخ السودان الحديث، حتى خرجت إلى النور فكرة الجامعة السودانية التركية، بمواصفات عالمية، وتخصصات المستقبل، من الذكاء الاصطناعي إلى التقانات الحديثة والنانوتكنولوجيا، لتؤكد أن السودان لا يريد أن يلحق بالعالم فحسب، بل يريد أن يكون جزءًا من صناعته.
ثم جاءت المنح الدراسية، واتفاقيات التعاون، والبحوث المشتركة، وبرامج تدريب الكوادر، وربط الجامعات السودانية بنظيراتها التركية، لتقول إن الوزارة لا تدير يومها فقط، بل تخطط لعقود قادمة.
مثل هذا الأداء يجعل الكاتب يحتار في اختيار الكلمات.
هل نصفه بأنه وزير ناجح؟
هذا وصف لا يكفي.
هل نقول إنه قائد إصلاح؟
هذا صحيح، لكنه لا يحيط بكل الصورة.
أم نقول إنه رجل دولة؟
ولعل هذا هو الوصف الأقرب؛ لأن رجل الدولة لا ينشغل بإدارة الحاضر وحده، بل يبني للمستقبل، ويؤسس لمؤسسات تبقى بعد رحيله.
لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا يعيد بناءها أصحاب الشعارات، وإنما أصحاب المشاريع. ولا ينهض التعليم بالمؤتمرات وحدها، بل بالإرادة، والتخطيط، والمتابعة، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
لهذا فإن الإشادة بالبروفيسور أحمد مضوي ليست إشادة بشخص، وإنما إشادة بمنهج في الإدارة يقوم على العمل الهادئ، والتخطيط العميق، والنتائج الملموسة.
واليوم، ونحن نرى هذا الحراك الكبير في وزارة التعليم العالي، لا يسعنا إلا أن ندعو إلى أن تصبح هذه الروح الإدارية ثقافةً في كل مؤسسات الدولة؛ لأن السودان في مرحلة إعادة بناء، ويحتاج إلى رجالٍ يجعلون الوطن أكبر من الأشخاص، والمشروع أكبر من المنصب.
ختامًا…
أيها البروفيسور أحمد مضوي موسى…
امضِ كما بدأت.
فالوطن لا يحتاج إلى مسؤولين يبحثون عن التصفيق، بل إلى رجالٍ يبحثون عن الإنجاز.
وستظل القامات الوطنية تُعرف بما تبنيه، لا بما تقوله، وبما تتركه للأجيال، لا بما تتركه في الأرشيف.
أما التاريخ، فهو منصف بطبيعته…
فهو لا يحفظ أسماء من جلسوا على المقاعد، وإنما يحفظ أسماء الذين صنعوا الفارق.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حقك اليوم هو:
إن الأوطان، في لحظات التحول الكبرى، يهيئ الله لها رجالًا يحملون همها، ويؤمنون برسالتها، ويجعلون من مواقعهم تكليفًا لا تشريفًا. وإذا كان السودان يبحث عن نماذج تبعث الأمل في مؤسساته، فإن البروفيسور أحمد مضوي موسى يقدم نموذجًا يستحق التقدير، لأنه اختار أن يكون رجل إنجاز قبل أن يكون صاحب منصب، ورجل مؤسسة قبل أن يكون رجل مرحلة… وذلك وحده كافٍ ليجعله قامةً بحجم وطن.











إرسال تعليق