أبناء السديرة.. من حلم النجاة إلى فاجعة الموج

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 8:19 ص
  • الزيارات : 9
  • بقلم : جبارة محمد أحمد

    في السديرة لا يشبه الحزن أي حزن، فالبيوت التي كانت تنتظر عودة البشارة فتحت أبوابها على الفاجعة، والطرقات التي حفظت خطى الشباب وهم يمضون خلف أحلامهم عادت تردد أسماءهم بوجعٍ لا يهدأ.

    هناك، حيث تنام القرية على بساطة أهلها ودفء حواريها، تسلل الخبر كطعنةٍ باردة، فأطفأ ما تبقى من ضوء في العيون، وترك الأمهات على عتبات الانتظار، يسألن البحر في خيالهم، عن فلذات الأكباد، ولا جواب إلا صمت الموج ومرارة الفقد.

    كانت أمانيهم الطوال أن تتبدل حياتهم إلى الأفضل، وأن يجدوا في البعيد ما ضاق به القريب. ولعل شعارهم المؤلم: (المضطر يركب الصعب)، كان يتردد همساً في حواري السديرة، حيث بدا لهم الغرب ملاذاً وقراراً، دون أن يدركوا أن هناك من يقود أحلامهم إلى البحر، لا يعنيه من وجعهم شيء ما دام قد قبض الثمن.

    نامت السديرة الشرقية حزينة، وقد طاف الحزن على بيوتها بيتاً بيتاً، سبعة من شبابها كانوا يحملون الغد في أعينهم، صارعوا الموج قبل أن يشرق صباح أحلامهم. والبحر، كما قيل، بيشيل عوامو، فكيف بمن خرجوا إليه مثقلين بالخوف والأمل؟

    كانوا شباباً في زهرة العمر، تزاملوا في الحلم، وتشاركوا الطريق، ثم كأن القدر جمع نهاياتهم كما جمع بدايات رجائهم. ورغم ما ترويه الحكايات عن مخاطر الطريق، ورغم أن الخطر كان أكبر من أشرعة النجاة، ظل الحلم أقوى من التحذير، وظلت الحاجة تدفع القلوب إلى المجهول.

    إن مأساة السديرة ليست حادثة عابرة في سجل الهجرة غير الآمنة، بل جرس حزن ينبغي أن يسمعه الجميع. فحين تضيق الأرض بأحلام الشباب، وتغيب أمامهم فرص الحياة الكريمة، يصبح المجهول في نظر بعضهم باباً للنجاة، مع أنه قد يكون أقصر الطرق إلى الفاجعة.
    وهنا تكمن قسوة المشهد، أن يتحول الحلم المشروع بحياة أفضل إلى سلعة في أيدي السماسرة، وأن تصبح حاجة الشباب جسراً يعبر عليه الطامعون إلى أرباحهم، ولو كان الثمن أرواحاً بريئة.

    رحم الله أبناء السديرة الشرقية، ورحم فقيد السديرة الغربية، وجعلهم في مقامٍ كريمٍ عنده، وألهم أهلهم وذويهم الصبر الجميل. فقدهم ليس فقد أسرهم وحدها، بل وجع قرية، وحزن وطن، وجرح جيل لم يستوعب بعد أن بعض الطرق لا تقود إلى الحياة، بل إلى الفاجعة.

    في المقابل، هذا الوجع الكبير تذكرةً لشبابنا، أن السودان مهما تكالبت عليه المحن، وضاقت فيه السبل، يبقى أرحم من بحرٍ لا يعرف أسماء الغرقى، وأصدق من سماسرةٍ لا يرون في الأحلام إلا ثمناً يُقبض. فالأرض التي نعرفها، وإن أرهقتها الحرب والضيق، تظل أحنّ من المجهول، وأقرب إلى العيش الحلال، وأبقى من طرقٍ محفوفةٍ بالموت، تبدأ بوعدٍ كاذب وتنتهي بمصابٍ لا يبرأ.